-إن تنزيل أي حكم شرعي في أي واقعة إنسانية أو ظاهرة اجتماعية أو فترة تاريخية، لابد فيه من فهم عميق ودقيق لملابسات ومستلزمات ذلك الواقع، وإدراك جيد لحكمة التشريع ومراميه، وسعي جاد لتحصيل ما يصلح للناس ويفيدهم (1) .
إن دراسة أسباب نزول القرآن وورود الحديث ذات فوائد جمة، لعل من أجلها إدراك حكمة الشارع ومراده، وتنزيل ذلك في واقع يتسم بالتجدد والتداخل والتعقيد، واستثمارها فيما يخدم شرع الله تعالى ويزيده نفوذا وتمكينا وخلودا، وإلا ظلت دراسة ذلك تسويدا للأوراق وطريقا مآله الإخفاق .
مقاصدية النسخ في الأخبار:
ينطوي النسخ في الأخبار على جوانب مقاصدية، تتمثل إجمالا في سن التدريج في بيان الأحكام، ومراعاة التيسير والرفق بالمكلفين. فإذا كان النسخ انتقالا من الأثقل إلى الأخف، فإن مقصده التيسير والتخفيف، وإذا كان انتقالا من الأخف إلى الأثقل فمقصده الحمل على الأكمل والأفضل، والغرض من كل ذلك هو تمكين المكلف من الامتثال الدائر بين العزم الأصلي والترخص المشروع، وتأصيل عادة النزوع نحو الكمال والسعي إلى ما هو أفضل في الآل والمآل، ونفي احتمال التملص والانفلات بسبب وضع الأحكام جملة واحدة .
مقاصدية التعارض والترجيح:
يمكن إبراز النواحي المقاصدية لمسألة التعارض الظاهري للنصوص النبوية وكيفية ترجيحها، فيما يلي:
-الإقرار بالعلة أو الحكمة المنصوص عليها، من خلال ضرب من ضروب الترجيح في المعاني، والمتعلق بتقديم العلة المنصوص عليها على التي لم ينص عليها، قال الباجي: (والعلة إذا نص عليها صاحب الشرع فقد نبه على صحتها وألزم اتباعها، وحكم بكونها علة فكانت أولى مما لم يحكم بكونها علة ) (1) .
والإقرار بالعلة هو في الحقيقة والمآل إقرار بالحكمة المنوطة بها والمقصد المرتبط بها، ذلك أن العلة لم تجعل أمارات على الأحكام إلا لما فيها من المصالح جلبا ومن المفاسد دفعا.