إن اجتهاد الصحابة تعبير عن تكوينهم الديني وصلاحهم التربوي ورسوخهم في الفقه والاجتهاد، وغير ذلك من الخصائص والصفات التي ورثوها من عصر النبوة المباركة، فهم بلا شك قد عاصروا سيرته عليه الصلاة والسلام، وتتبعوا أحوالها وجزئياتها، وتشبعوا بهديها وأنوارها، وفهموا مقاصدها وغاياتها وأسرارها، وعلموا أن تبليغ ذلك وتطبيقه تكليف شرعي وواجب إسلامي ورسالة حضارية لازمة عليهم باعتبار كونهم الصفوة المختارة، التي تأهلت لتمكين إرث النبوة الشريفة فهما وتنزيلا، تحملا وأداء، نصا واجتهادا، اعتقادا وتعبدا، تعاملا ونظاما، قانونا ودستورا، في سائر أرجاء المعمورة، وعلى مر تاريخ الإنسانية قاطبة.
قال ابن تيمية: ( وللصحابة فهم في القرآن يخفى على أكثر المتأخرين، كما أن لهم معرفة بأمور من السنة وأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعرفها أكثر المتأخرين، فإنهم شهدوا الرسول والتنزيل وعاينوا الرسول، وعرفوا من أقواله وأفعاله مما يستدلون به على مرادهم ما لم يعرفه أكثر المتأخرين، الذين لم يعرفوا ذلك، فطلبوا الحكم مما اعتقدوه من إجماع أو قياس ) (1) .
* آثارهم في المقاصد:
جاء عن الصحابة آثار كثيرة تتعلق بمراعاة المقاصد الشرعية على نحو التيسير والتخفيف والرفق، وتجنب التشديد والمغالات والتعمق والتكلف والمبالغة في التعبد والتورع (2) ، ومن تلك الآثار:
-قولة الإمام أحمد عن الصحابة: ( إنه ما من مسألة يسأل عنها إلا وقد تكلم الصحابة فيها أو في نظيرها، الصحابة كانوا يحتجون في عامة مسائلهم بالنصوص كما هو مشهور عنهم، وكانوا يجتهدون رأيهم، ويتكلمون بالرأي، ويحتجون بالقياس أيضا ) (1) . ويعتبر الإمام أحمد بأن ذلك القياس بنوعيه من قبيل فهم المقاصد فيقول: ( وهما من باب فهم مراد الشارع ) (2) .