فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 67 من 206

والمهم من كل ما ذكر، أن العمل بالرأي والمقاصد لدى مدرسة الحجاز ظل أحد المستندات التي قام عليها الاجتهاد في تلك المدرسة، وإن كان أقل وأدنى مما هو عليه الأمر في مدرسة العراق من حيث الكم والتفريع.. إن مدرسة العراق أو مدرسة الرأي، قد انبنت على الرأي بصورة أكبر مما كان عليه الوضع في المدينة لعدة أسباب، منها: بعدها عن المدينة مهبط الوحي المدني، ومقام الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومستقر أغلب الصحابة رضي الله عنهم، وبساطة عيشها وسلامة اللسان العربي من الاختلاط والانحراف وغير ذلك، وهذا بخلاف العراق الذي شهدت بيئته ظهور الفرق وحدوث الفتنة، والتزيد في الحديث وضعا وتعسفا، وقلة رواية الحديث بسبب كثرة الاشتغال بالقرآن وشدة الاحتياط في الرواية، واختلاط اللسان العربي بلغات أخرى، وتعقد الحضارة، وطروء المشكلات والحوادث المستجدة، التي تحتم إعمال الرأي واعتبار روح الشرع ومقاصده المعتبرة .

ثم إن اتصاف مدرسة العراق بالرأي لا يعني عدم استنادها إلى الأثر (1) ، بل يعني إعمال الرأي المعزز بالأثر الصحيح والمؤيد بتعاليم الكتاب والسنة وفقه السلف، صحابة وتابعين، والمدعم بمراعاة المصالح والأعراف الحسنة .

فقد كان العراقيون إذن يعتبرون أن أحكام الشرع معقولة المعنى مشتملة على مصالح راجعة إلى الأمة (2) ، وكانوا يستندون إلى فتاوى وأقضية علي بن أبي طالب الذي ازدادت به مدرسة الرأي قوة ومكانة (3) ، وعبد الله بن مسعود الذي كان قد نهج نهج عمر ابن الخطاب في الاستنباط بالرأي عند انعدام النص وفيما لم يترجح لديه (1) ، والذي كان أحد الأربعة الذين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن منهم (2) ، باعتبار كونه أعلم من غيره بمواضع النزول وملابساته وأسبابه وظروفه، وهذا في حد ذاته يدل على ما نحن بصدده من التأكيد على تشبع مدرسة العراق بالعمل المقاصدي والنظر المصلحي في ضوء تعاليم نصوص الوحي المتلو والمروي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت