إن طبيعة تطور الحياة، واختلاف عصر التابعين عن عصر الصحابة من حيث ظهور الحوادث واختلافها، بموجب اتساع الحضارة الإسلامية والاختلاط مع الحضارات الأخرى، وما يترتب على ذلك من أمور كثيرة لا تقدر ظواهر النصوص والمرويات على معالجتها وبيان طبائعها وأحكامها، إن ذلك كله يحتم العمل بالرأي والأخذ بدور الاجتهاد الشرعي البناء في التعرف على الأحكام الشرعية لتلك الحوادث والنوازل، قال الشيخ علي الخفيف: ( ولقد كان موقفهم من النصوص الموقف السليم الذي يتطلبه العقل الحكيم، فعرفوا أن الأحكام لم تشرع عبثا، وأنها إنما شرعت لعلل ومقاصد يطلب تحقيقها، ولابد من تعرفها... كما كان من نتائجه أن آمنوا بأن الأحكام التي تدل عليها النصوص، عرضة للتغير بمرور الزمن واختلاف البيئة، تبعا لتغير عللها التي أدت إليها، أو لأن المقاصد التي أريدت من شرعها أصبحت لا تتحقق إلا بأحكام أخرى، لتغير الزمن وأحواله، ومن ثم رأينا منهم فهما عميقا للنصوص، وعملا على الإحاطة بمقاصد الشريعة، وقد حفظ لنا الرواة والتاريخ من ذلك أحكاما تتفق مع النصوص في روحها، وتخالفها في ظاهرها ) (1) .
* اجتهادهم في النوازل:
إن كثيرا من الأمثلة الفقهية التي تبناها التابعون، سواء بنقلها عن الصحابة، أو ببيانها من قبلهم، تدل بجلاء تام على اهتمامهم البالغ، وتعويلهم الكبير على المقاصد الشرعية في معالجة النوازل وتأطير الحوادث والمستجدات، ومن تلك الأمثلة: تضمين الصناع، وإجازة التسعير، وإمضاء الطلاق الثلاث، وعدم قبول توبة من تاب بعد تكرار التلصص وقطع الطريق (2) ، وإبطال نكاح المحلل، وغير ذلك مما هو مبسوط في مصادره ومظانه، وقد أورد الأستاذ شلبي في كتابه ( تعليل الأحكام ) ، أمثلة كثيرة عمل فيها التابعون بالمصلحة والمقاصد (3) .
* إنكارهم للحيل: