إن هؤلاء الأعلام لم ينطلقوا في اجتهادهم من فراغ، وإنما بنوا مسيرة علومهم على ما استلهموه واستفادوه من الثروة التشريعية الزاخرة التي سبقتهم، والمتكونة من تعاليم الكتاب والسنة وهديهما، ومن نقول السلف ومروياتهم وفتاواهم ومناهج اجتهادهم ومسالك استنباطهم، والتي كان التشبع بالروح المقاصدية والطابع المصلحي أحد مستنادتها ومسلماتها (1) .
فاستناد أولئك الأعلام إلى تلك الثروة، استناد إلى جانبها المقاصدي.. وقبولهم بالنصوص وتسليمهم بها، قبول بأحكامها ومقاصدها المنوطة بها.. واقتفاؤهم لآثار سلفهم، قبول منهم لمنهجهم في الاجتهاد القائم على الجمع بين الأثر والنظر، بين النصوص والمصالح، وغير ذلك.
فقد ذكر أن الرأي عند مالك، توفيق بين النصوص والمصلحة، وأن تكوينه قد تلقاه من أعلام متفاوتين من حيث الاعتداد بالرأي والأثر (2) .. وذكر أن الشافعي قد جمع بين فقه الحجاز والعراق، حيث أخذ من الموطأ وأخذ من محمد بن الحسن الروايات العراقية التي لم تشتهر عند الحجازيين (3) .
-أصولهم في الاستنباط:
أصول الاستنباط ومصادر التشريع التي كان الأئمة يستعملونها في معرفة الأحكام الفقهية، والتي كانت تجمع بين الأثر والنظر، بين النص والاجتهاد، بين ظاهر الدليل ومعناه ومقصده ومراده، تلك الأصول والمصادر تبرهن بما لا يدع مجالا للشك والتأويل على أن النظر المقاصدي الأصيل ظل مقوما مهما من مقومات اجتهادهم واستدلالهم.. ونحن في هذا الصدد لا نريد بيان وعرض الأصول المستعملة لدى الأئمة والتعليق عليها، وإنما نريد فقط إبراز النواحي المقاصدية لها بصورة إجمالية وعامة.