فقد قالوا: إن المصلحة المرسلة هي المصلحة المطلقة، فليس لها دليل يعتبرها ويقرها أو يلغيها ويبعدها، فدليلها الوحيد هو كل شيء غير الدليل الشرعي، سواء قلنا: إنه عقل أو خبرة أو حكمة أو فطرة أو غريزة أو غير ذلك، فمادامت المصالح المرسلة مطلقة عن الأدلة والقيود والاعتبارات الشرعية، فهي إذن نازعة نحو الاستقلال والانفراد والهيمنة على مواضعها غير المنصوص عليها أو المجمع عليها!
وقالوا عن الاستحسان بأنه: ما ينقدح في ذهن المجتهد ولا يستطيع التعبير عنه، وبأنه العمل بمصلحة جزئية في مقابل الدليل الكلي، وبأنه العدول عن القياس الجلي إلى قياس خفي أقوى منه، وبأنه العمل بأقوى الدليلين، وغير ذلك من تعريفات الاستحسان التي عدل بها عن حقيقة مسماه إلى غيره بلا دليل من الشرع أو العقل: ثم ذكروا أن كل تلك التعريفات تسوغ ما ذكرناه من استقلال المقاصد عن الشريعة.. فما ينقدح في ذهن المجتهد ويتعذر التعبير عنه، ليس سوى تقرير لما ينقدح في ذهن الناس من مصالح وما يرونه نافعا لهم بدون شرع.. وما يقال من أنه عدول عن الدليل الكلي أو القياس الجلي أو الدليل الضعيف إلى ما توجبه المصلحة، ليس إلا دليلا على مراعاة تلك المصلحة والتعويل عليها، انفرادا وابتداء في بيان الأحكام!
وقالوا كذلك عن العرف بأنه: تحكيم للعوائد والتقاليد والنظم والممارسات المختلفة التي تتغير زمنا ومكانا وحالا، فما يراه قوم في زمن مصلحة يراه غيرهم في زمن آخر مفسدة وهكذا.. فالمعتبر حسب وهم هؤلاء، تحكيم الأعراف بكل أنواعها وصورها، ومسايرة الناس في نظمها وأحوالها، وليس ذلك إلا برهانا على أن المصالح مستجيبة للأعراف، مسايرة للعادات، ولو تناقضت مع الشرع وقيمه وقواعده!