قد امتلأت كتب الأولين والآخرين بالأجوبة الكافية والبيانات الشافية -تأصيلا وتمثيلا وتدليلا وتعليلا- المحققة لهذا كله، ولغيره مما يقال ويحاك، فارجع إليها إن شئت ليتأكد ويتحرر لديك بطلان ما زعم، وفساد ما قيل، وليرسخ عندك يقينا وجزما صحة ما صار إجماعا قطعيا من أن المقاصد بجلب المصالح ودرء المفاسد ليست دليلا مستقلا تثبت بمقتضاها الأحكام الشرعية، وإنما هي معان مستخلصة من عموم الأدلة وخصوصها، وانفراد جزئياتها واجتماعها، وتحقق الكليات وتطبيقاتها:
غير أن ذلك لا يغني عن الإشارة الموجزة لبيان شرعية تلك المصادر والقواعد، وانبثاقها من الأدلة والتصرفات الشرعية، ويكون ذلك بإيراد ما يتعلق بإبطال تعسفهم في فهم مسميات تلك المصادر والقواعد وتعاريفها وتطبيقاتها، وهو ما نبينه فيما يلي:
-إبطال التعسف في فهم التسميات:
تسمية غير النص والإجماع بالمصادر العقلية والمصلحية والاجتهادية، تسمية اصطلاحية علمية، اقتضتها أمور منهجية وترتيبية، وليست مبنية على منابع الأحكام ومحل نشوئها، فيقال مثلا: إن هذا الحكم عقلي لأن العقل أنشأه، وأن هذا شرعي لأن الشرع أنشأه .
فالأحكام كلها قد أنشأها الشرع، إما بالنص أو الإجماع أو الاجتهاد على أساسها، وسواء كان الحكم مصرحا به أو مشارا إليه في النص، أو موجودا في الإجماع، أو مستخلصا عن طريق القياس والحمل على النص والإلحاق به، والإدراج ضمن القواعد الشرعية العامة، فإن ذلك الحكم منشأه الشرع ومنبعه الدين، مع وجود التفاوت في د رجة وضوحه، من حيث التصريح والتلميح والإشارة والتضمن والتعلق.