ثم إن إطلاق أوصاف العقلية والاجتهادية والمصلحية على تلك المصادر، له دلالة ما على أن تدخل العقل في الاجتهاد والاستصلاح على ضوء تلك المصادر، ملحوظ بصورة أكبر وكيفية أعمق مما عليه الأمر في الاستنباط من النصوص والإجماعات، أي أن دوره في الفهم والاستيعاب والإلحاق والموازنة والتفريع والترجيح إزاء الاستحسان والمصلحة والعرف وغيره، ملحوظ بشكل أكبر مما هو عليه في النص والإجماع، الذين يستخلص الحكم منهما بطريقة أيسر من حيث الفهم والاستيعاب والاستنتاج المباشر ووضوح المعنى وبيان المراد.
وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا نسمي المعاني المفهومة من القرآن والسنة والإجماع وكلام الناس، بالمعاني العقلية، بناء على أن العقل هو الذي فهمها وأدركها؟! ثم إن تسميتها العقلية، لا يلغي شرعيتها وربانيتها، وإنما يبرز حجم تدخل العقل في الفهم والإدراك والاستنتاج، ذلك الحجم الذي تتفاوت ضروبه وصوره، قلة وكثرة، بحسب الأدلة وما دلت عليه من أحكام بطريقة صريحة أو ضمنية، عامة أو خاصة، مجملة أو مبينة، معللة أو غير معللة، منطوقة أو مفهومة، وغير ذلك.
وبناء عليه، فإن جميع الأحكام الشرعية المستفادة من النص والإجماع، هي أيضا أحكام عقلية، أي فهمت بالعقل وليست خارجة على ذلك، وهذا لا يعني أنها مستقلة عن الهدي الشرعي، بل يعني ببساطة أن العقل هو الذي فهمها، والشرائع ما نزلت إلا لتفهمها العقول المكلفة والراجحة.
ولذلك فإن تسمية بعض المصادر بالعقلية، كالقياس والمصلحة والاستحسان، لا يعني أنها منفصلة عن الشرع وبعيدة عنه، بل يعني مجرد مصطلح ،ولا مشاحة في الاصطلاح.