المصالح المرسلة كما هو معلوم، هي المصالح التي لم يشهد لها الشارع بالاعتبار أو بالإلغاء، وانعدام الشهادة الشرعية بالاعتبار أو الإلغاء على مستوى عين المسائل، وليس على مستوى كلياتها وأجناسها وقواعدها، لأنها لو انعدمت الشهادة في عين الحكم وفي ما يدرج فيه من أجناس وكليات وقواعد، لكان ذلك تركا لتحكيم الشرع في المشكلات والنوازل، وهذا محال.
فالمصلحة المرسلة هي إذن المصالح الملائمة لتصرفات الشارع، والعائدة إلى أصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعا به، والراجعة إلى جنس اعتبرته الشريعة (1) .
فالمصالح المرسلة ولئن لم يعتبرها الشارع تفصيلا، فقد اعتبرها جملة ضمن المصالح المعتبرة، فهي عند التحقيق ليست مرسلة، وإنما هي مصلحة معتبرة من الشارع ولكن جملة لا تفصيلا (1) .
ومن ثم فإن الاستصلاح المرسل هو استناد إلى القواعد والأجناس الشرعية المعتبرة، وليس عملا عقليا مستقلا ومنفردا ليس له ضوابط ولا قيود.. والنوازل التي لم تتبين أحكامها، والتي يراد إحالتها على الاستصلاح المرسل قصد معرفة أحكامها، لا تخرج من حالتين:
-حالة إلغائها، لوجود شاهد أو دليل كلي يلغيها، لمعارضتها للشرع وتعاليمه.
-حالة اعتبارها، لوجود ما رجحها واعتبرها، وعندئذ تصبح شرعية لاندراجها ضمن الدليل الكلي المرجح لها.
وأمثلة ذلك كثيرة جدا وهي مبثوثة في مظانها من كتب الفقه والأصول، والقواعد، والخلاف، والسياسة الشرعية، وتاريخ الفقه والتشريع وغيرها، وهي تتفاوت تعليلا وتدليلا وبيانا للأدلة الشرعية التي اعتبرتها، وقد ذكرنا جانبا من ذلك في هذه الدراسة فارجع إليه (2) .
شرعية الاستحسان:
الاستحسان على خلاف تعاريفه ومعانيه (1) ، هو دليل راجع إلى الأدلة الشرعية وليس مستقلا عنها، وإن بدا حسب ظواهر التعريفات على غير ذلك.
وبرهان ذلك فيما يلي:
شرعية تعريف الاستحسان: