والمصلحة التي انبنى عليها الاستحسان ليست مطلقة عن القيود الشرعية، كما ذكرنا ذلك قبل قليل في شرعية المصلحة المرسلة، بل هي مشهود لها بأحد الأدلة الكلية والقواعد العامة.
* يستند الاستحسان في إحدى صوره إلى الضرورة، ومثاله الحكم بطهارة الحياض والآبار من سباع الطير التي تشرب منها، وهذا بخلاف سباع البهائم، فإن سباع الطير تأخذ الماء بمناقيرها وهو عظم جاف، والعظم من الميت طاهر، فمن الحي أولى، كما أن التصاق المنقار بالماء أقل تأثيرا من التصاق اللسان به، والتحرز من سباع البهائم أيسر من سباع الطير، لأن الأولى تسير في البر، فيمكن مطاردتها، والثاني تنقض من الفوق، ولأن ورودها كثيرا على تلك الحياض بسبب قرب مستقرها أو بكثرة المرور، فقد أدى هذا كله إلى استثناء الحكم بطهارة سؤر سباع الطير والعدول به عن مقتضى قياسها عن سؤر سباع البهائم، ومقصد ذلك رفع الحرج عن الناس بسبب الضرورة القاهرة، وكذلك الحكم بأن وقوع النجاسة من سباع الطيور أمر مظنون ظنا يسيرا، والعبرة بالقطع أو الظن الغالب، أما النادر فلا عبرة له.
فأنت تلحظ أن الاستحسان المبني على الضرورة ليس عملا بمجرد الرأي المطلق، بل هو مستند إلى الضوابط الشرعية، سواء من جهة مراعاة عموم الضرورة الشرعية المعتبرة بأدلتها ومظانها، أو من جهة مراعاة المظنة الغالبة أو الراجحة المعتبرة بأدلتها كذلك، أو من جهة بعض التعليلات الأخرى التي لها اعتبار ما في بيان الحكم ومقصده كتحقيق مناط سؤر سباع الطير من حيث حصول النجاسة أم لا.
ومن خلال المثال السابق فيمن قال إن مالي كله صدقة، فإنه لا يخرج إلا مال الزكاة، للعرف الشرعي من ناحية، ولنفي الضرر والضرورة المتأتية بسبب إنفاق المال كله.