وقوله"خطاب الله": أخرج خطاب كل ما عداه، فخطاب غير الله أيًّا كان، لا يسمى حكمًا شرعيًّا، فالله ـ سبحانه وتعالى ـ هو الحاكم وحده.
و «خطاب الله» يشمل: خطابه القرآني, وكلام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ لأنه الحقيقة خطاب الله, والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبلغ عن الله، فالله ـ سبحانه وحده ـ هو المشرع، والأنبياء مبلغون عنه ـ سبحانه ـ، والعلماء المجتهدون ما هم إلا كاشفون عن الحكم, ومظهرون له بما آتاهم الله من علم, وقدرة على الاستنباط.
إذن فالأحكام المستنبطة عن طريق القياس، أو المصالح المرسلة، أو الاستحسان، أو غير ذلك من الأدلة هي من الأحكام الشرعية، وهذه الأدلة إنما هي طرق كاشفة, ومظهرة للحكم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى, فهذه الأدلة ما احتج بها من احتج من العلماء إلا بناء على أدلة من القرآن ومن السنة، كما هو مبين في مواضعه من علم الأصول.
وقوله"المتعلق": يعني المرتبط، وليس هذا قيدا في التعريف، وإنما ذكر توطئة للقيد المذكور بعده، ويكون المراد منه: هو الذي من شأنه أن يتعلق بفعل المكلف، بمعنى: أن يصير المكلف مشغول الذِّمة بما كلف به [1] .
وقوله"بأفعال المكلفين": «الأفعال» : جمع «فعل» ، والمراد به: ما صدر عن المكلف من قول أو فعل أو اعتقاد، وليس المراد به: ما قابل القول والاعتقاد، وإن كانت قد تقابل الأفعال بالأقوال في الإطلاق العرفي, ومعنى «تعلق الخطاب بأفعال المكلفين» : ارتباطه بها على وجه يبين صفته من كونه مطلوبًا أو غير مطلوب [2] .
وهو قيد يخرج الخطاب المتعلق بذات المكلف، نحو: (( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) ) [3] .
وعلم من تعريف الحكم بالتعلق بفعل المكلف: أن الأحكام لا تتعلق بالأعيان, وأما نحو: (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) ) [4] , فهو من باب الحذف بقرينة دلالة العقل أن الأحكام إنما تتعلق بالأفعال دون الأعيان.
ولكن هذا ليس متفقًا عليه، فقد ذهب جمع من الحنفية: إلى أن الحكم يتعلق بالعين كما يتعلق بالفعل، ومعنى «حرمة العين» : خروجها من أن تكون محلًا للفعل شرعًا، كما أن حرمة الفعل خروج من الأعيان شرعًا، وذكر صاحب «الميزان» من الحنفية: أن الحل, والحرمة إذا أضيفا إلى الأعيان, فهي أوصاف لها كما تكون أوصافًا للأفعال في قول الحنفية، خلافًا للمعتزلة [5] .
قوله"المكلفين": «المكلفون» : جمع «مكلف» ، و «المكلف» هو: البالغ العاقل الذي بلغته الدعوة.
وقوله"بأفعال المكلفين": خرج به الخطاب المتعلق بذاته - سبحانه-، مثل قوله: (( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) ) [6] ، والمتعلق بالجمادات, مثل قوله تعالى: (( وَيوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً ) ) [7] , فمثل هذا الخطاب لا يعتبر حكمًا [8] .
(1) «نهاية السؤل» : (1/ 31) ، و «غاية الوصول» لأستاذنا الدكتور/ جلال الدين عبد الرحمن (المقدمات) : (ص123،124) .
(2) «حاشية البناني على جمع الجوامع» : (1/ 39) ، «التلويح على التوضيح» : (2/ 78) .
(3) «البحر المحيط» : (1/ 156) , والآية من سورة الصافات (رقم: 96) .
(4) سورة النساء (الآية: 23) .
(5) «ميزان الأصول» للسمرقندي: (32) ، و «البحر المحيط» : (1/ 158، 159) .
(6) سورة آل عمران (الآية: 18) .
(7) سورة الكهف (الآية: 47) .
(8) «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري: (ص6) ، و «شرح الكوكب المنير» : (ص104، 105) ، و «أصول الفقه» للشيخ محمد أبو النور زهير: (1/ 38) ، و «مذكرة أصول الفقه» للشنقيطي: (ص7، 8) .