إلا أننا موقنون بأن القرآن, إضافة إلى تعدد إعجازاته, فإنه الكتاب السماوي الوحيد الذي خاطب العقل الإنساني والفكر البشري, وأن الله, جلت قدرته, قد ميز الإنسان وفضله عن سائر خلقه عدا الملائكة عليهم السلام . بأن وهبه العقل للتدبر والتفكر والتأمل والتمحيص. فالقرآن الكريم في مجمل آياته يدعو إلى شحذ الهمم وتركيز البصيرة واستخدام العقل لتطوير منهجية حياة الإنسان.
فهذا, ولعمري, أبرز وأهم إعجاز للقرآن الكريم وهو الدلالة القاطعة على دور الإسلام في تبني العلم والبحث العلمي, وتقدير العاملين, وكذلك اهتمام الإسلام برقى العقل البشري. لماذا? لأن الأمم تتطور والشعوب ترتقي والمجتمعات تتقدم فقط عندما يستخدم الإنسان فكره وعقله للصالح العام ولمنفعة البشرية. فالكون الفسيح والموارد المتاحة ومعيشة الإنسان اليومية وعلاقته بالآخرين لا يتسنى لها الكمال وتحقيق الأهداف المتوخاة منها إلا باستخدام العقل, الذي يقود إلى الاكتشافات والاستدلال على الأسس العلمية في حياة الإنسان.
إن القارئ المبصر والباحث المتبحر في آيات القرآن الجليل يجد أن للعلم والعلماء منزلة سامية وفضلا كبيرا قد يضاهي فضل الزاهد العابد. ولذلك ما انفك علماء المسلمين على مر السنين وتعاقب الأزمنة وفي مختلف الحقبات من التمحص في العلوم والبحث في كينونة آيات القرآن لمعرفة مجريات الأمور ومسبباتها, وبتحليل وتعليل قوله تعالى (سنري هم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) . فصلت . 53. فالكون كتاب مفتوح وكذلك أنفسنا, نحتاج أن نتدبر ما بها من معاني القدرة وبراهين الجبروت وحجج القوة الإلهية العظمى التي لا تضاريها قوة أو يساويها سلطان.