فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 232

لنفكر الآن في الأسباب التي أقام الدين عليها دعوته إلي الإيمان بهذه النظرية: إن الحياة كما نتصور ليست (غدوا ورواحا) ، كما يراها الفيلسوف الألماني (نيتشه) ، والتي تمتلئ وتخلو كالساعة ، ولا هدف لها أكثر من ذلك. . إن الحياة (الآخرة) ذات هدف عظيم هو المجازاة علي أعمال الدنيا ، خيرا أو شرا. وهذا الجزء من نظرية الآخرة يكاد يتضح جليا حين نعلم أن أعمال كل إنسان تحفظ وتسجل بصفة دائمة ، وبغير توقف. وللإنسان ثلاثة أبعاد ، يعرف من خلالها ، هي: نيته ، وقوله ، وعمله. وهذه الأبعاد الثلاثة تسجل بأكملها. فكل حرف يخرج عن لساننا ، وكل عمل يصدر عن عضو من أعضائنا-يسجل في الأثير (الفضاء) ؛ ويمكن عرضه في أي وقت من الأوقات بكل تفاصيله ، لنعرف- إذا شئنا- كل ما قاله أو فعله أي إنسان في هذه الحياة الدنيا ، من خير أو شر.

إن الأفكار تخطر علي بالنا ، وسرعان ما ننساها ، ويبدو لنا أنها انتهت ، فلم يعد لها وجود ولكنا ، بعد فترة طويلة ، نراها رؤى خلال النوم ، أو نذهب نتكلم عنها في حالات الهستريا أو الجنون ، دون أن ندري شيئا مما نقول. وهذه الوقائع تثبت قطعيا أن العقل أو الحافظة ليست تلك التي نشعر ونحس بها فحسب ، وإنما هناك أطراف أخري من هذه الحافظة لا نشعر بها ، وهي ذات وجود مستقل ، وذات كيان قائم بنفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت