فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 232

ولقد أثبتت التجارب العلمية أن جميع أفكارنا تحفظ في شكلها الكامل ، ولسنا قادرين علي محوها أبدا ، وأثبتت هذه التجارب أيضا أن الشخصية الإنسانية لا تنحصر فيما نسميه (الشعور) ، بل هناك أجزاء أخري من الشخصية الإنسانية تبقي وراء الشعور ، يسميها فرويد: (ما تحت الشعور) ، أو (اللاشعور) . وهذه الأجزاء تشكل جانبا كبيرا من شخصيتنا ، بل هي الجانب الأكبر منها ؛ ومثلها كمثل جبل من الجليد في أعالي البحار ، أجزاؤه الثمانية مسكنة تحت الماء ، علي حين يطفو منه إلا الجزء التاسع. وتلك هي ما نسميه: (تحت الشعور) ، الذي يسجل ويحفظ كل ما نفكر فيه ، أو ننتويه.

يقول (فرويد) في محاضرته الحادية والثلاثين:

(إن قوانين المنطق ، بل أصول الأضداد أيضا ، لا تحول دون عمل(اللاشعور) I D وإن الأماني المتناقضة موجودة فيه جنبا إلي جنب ، دون أن تقتضي واحدة منها علي الأخرى ، ولا شيء في اللاشعور يشبه أن يكون (رفضا) لشيء من هذه المتناقضات. إننا نتحير لما نشاهده من أن اللاشعور يبطل رأي فلاسفتنا القائلين بأن جميع أفعالنا العقلية الشعورية تتم في زمن محدد ، ولكن لا شيء في اللاشعور يطابق الفكر الزمني ، ولا يوجد فيه أي رمز لمضي الوقت وسريانه ، وهي حقيقة محيرة. ولم يحاول الفلاسفة أن يتأملوا حقيقة ، هي أن مضي الزمن لا يحدث أي تغيير في العمل الذهني ؛ إن الدوافع الحبيسة (Conative impulses) التي لم تخرج قط عن اللاشعور ، وحتى التأملات الخيالية التي دفنت في اللاشعور-تكون أزلية في الحقيقة والواقع ، وتبقي محفوظة لعشرات السنين وكأنها لم تحدث إلا بالأمس (83 ) ) .

وقد سلم علماء النفس بهذه النظرية بصفة عامة اليوم ، ومعناها أن كل ما يخطر علي بال الإنسان من الخير والشر ، ينقش في صفحة اللاشعور ، فلا يزول إلي الأبد ، ولا يؤثر فيه تغير الزمان وتقلب الحدثان ، ويحدث هذا علي رغم الإرادة الإنسانية-طوعا أو كرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت