فهرس الكتاب
ولم يستطع (فرويد) أن يدرك ما يكمن خلف هذه العملية من أسباب وعلل ، وأية خدمة تؤديها في مصنع الكون؟ ولهذا نراه يدعو الفلاسفة إلي التفكير والتأمل. ولكنا لو قارنا هذا الواقع مقرونا إلي نظرية الآخرة لاستطعنا أن نصل إلي حقيقتها بسرعة ، إن هذا الواقع يؤكد بكل صراحة إمكان وجود سجل كامل لأعمال الإنسان في حيازته ، عندما يبدأ حياته الأخرى ، فإن وجوده نفسه سوف يشهد علي الأعمال والنيات التي عاشها:
(ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد(84) .
(أ) مسألة القول:
ولنتناول هنا مسألة (القول) : إن نظرية الآخرة تقول بأن الإنسان مسئول عن (أقواله) ، فجميع ما نلفظه من كلام ، حسنا كان أو قبيحا ، حمدا أو سخطا ؛ وسواء استعملنا اللسان في إبلاغ رسالة الحق ، أو استعملناه في إبلاغ رسالة الشيطان ، كل ذلك يحفظ في سجل كامل: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد(85 ) ) . وهذا السجل سوف يعرض أمام محكمة ليتم حساب الإنسان.
وإمكان وقوع هذا لا ينافي العلم الحديث ، فنحن نعرف قطعا أن أحدا عندما يحرك لسانه ليتكلم ، يحرك بالتالي موجات في الهواء ، كالتي توجد في الماء الساكن عندما نرمي فيه بقطعة من الحجر. . إنك لو وضعت جرسا كهر بائيا في زجاج محكم الإغلاق من كل جانب ، ثم تضغط عليه ، فلن تسمع صوته ، رغم أن الجرس علي مرأى منك. . لأنه لا يرسل الموجات إلي الخارج ، فهو مكتوم داخل الزجاج ، وهذه الموجات في الظروف العادية تصطدم بطبلة الأذن ، التي تقوم آليا بإرسال هذه الموجات إلي العقل ، فما نفهمه من المعني ، يسمي (سماعا!)