فهرس الكتاب
وعندما ندرس المسالة من الوجهة نري أنه لابد من (الآخرة) ، فإن التاريخ الإنساني لن يكون له أي معني بدونها.
إن فطرة الإنسان تميز بين الخير والشر ، والصالح والطالح ، والظلم والعدل ، وهذه الفطرة هي التي تميز الإنسان عما سواه ، ولكن ها هو ذا الإنسان الذي كرمه ربه ، يهدر فطرة الله أكثر ممن لا يتمتعون بها ؛ إنه يظلم بني جنسه ؛ يقتلهم ويشردهم ، ويوجه إليهم كل شر مستطاع. .
إن الحيوانات لا تظلم فصائلها ، فالأسد ليس في الأسود أسدا ، والنمر ليس في العرين نمرا. . ولكن الإنسان أصبح يفترس إخوانه ، حتى الأقربين منهم ، مما لا يوجد له مثيل في قانون الغابة. .
ولا مرية أننا وجدنا أضواء الحق والعدالة في التاريخ الإنساني ، وأننا نقدرها حق قدرها ، ولكن الجزء الأكبر من التاريخ يفيض بقصص الظلم والفساد والعدوان. إن المؤرخ ليصاب بيأس بالغ عندما يري أن أحداث التاريخ تتعارض تماما مع الضمير الإنساني.
ولنقتبس هنا بعض الأقوال:
فولتير: (إن التاريخ الإنساني ليس إلا صورة للجرائم والمصائب(93 ) ) .
هربرت سبنسر: (إن التاريخ تهريج ، وكلام فارغ لا جدوى منه) .
نابليون: (إن التاريخ بأكمله عنوان لقصة لا تعني شيئا) .
إدوارد جين: (إن تاريخ الإنسان لا يعدو أن يكون سجلا للجرائم ، والحماقة ، وخيبة الأمل) .
هيكل: (إن الدرس الوحيد الذي تعلمته الحكومة والشعب من مطالعة التاريخ هو أنهم لم يتعلموا من التاريخ شيئا(94 ) ) .
هل قامت مسرحية العالم كلها لتنتهي إلي كارثة أليمة؟ إن فطرتنا تقول: لا. . فدواعي العدالة والإنصاف في الضمير الإنساني تقتضي عدم حدوث هذا الإمكان ، لابد من يوم يميز بين الحق والباطل ، ولابد للظالم والمظلوم أن يجنيا ثمارها ، وهذا مطلب لا يمكن إقصاؤه من مقومات التاريخ ، كما لا يمكن إبعاده عن فطرة الإنسان.