فهرس الكتاب
وعندما دار هذا الحديث لم يكن أبو سفيان قد آمن بالرسول بعد ، بل كان من خصومه ، الذين ألبوا عليه العرب ، وشنوا ضده الحروب وقال ، وهو يروي هذا الحادث: (والله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه(121) .
إن التاريخ علي طوله لم يشهد رجلا أدلي خصومه بآراء مثالية عن سيرته وحياته مثلما أدلي به خصوم رسول الإسلام.
إن هذا الواقع هو الآخر دليل في حد ذاته علي حقيقة دعوة النبي العربي. وسوف أنقل هنا ما قاله الدكتور ليتز عن الرسول:
(إنني لأجرؤ بكل أدب أن أٌقول: إن الله الذي هو مصدر ينابيع الخير والبركات كلها ، لو كان يوحي إلي عباده فدين محمد هو دين الوحي ، ولو كانت آيات الإيثار ، والأمانة ، والاعتقاد الراسخ القوي ، ووسائل التمييز بين الخير والشر ، ودفع الباطل هي الشاهدة علي الإلهام ، فرسالة محمد هي هذا الإلهام(122 ) ) .
لقد عاني محمد (صلي الله عليه وسلم) من صنوف الأذى وضروب العنت والاضطهاد عندما بدأ دعوته ؛ وحاربه قومه أشد الحرب وأقساها ، فوضعوا في طريق مروره الأشواك ، وصبوا علي جسمه الطاهر أكواما من النجاسة. . بل ووجدناه ذات مرة بينما كان يؤدي صلاته ، وإذا (عقبة بن أبي معيط) يلببه بردائه بشدة حتى وقع النبي علي الأرض. . .
ولكن هذه الاستفزازات لم تؤثر في مهمة النبي فاتبعوا معه أسلوبا آخر ، وذلك حين قاطعوه هو وعشيرته من بني هاشم ، وأجبروهم علي أن يعتزلوا الناس ، فلجأوا إلي شعب بني هاشم ، ومنعوا عنهم الطعام وحرموا التعامل معهم ، ومضي علي هذه المقاطعة والحصار التاريخي ثلاث سنين ، وهم يأكلون أوراق شجر (الطلح) الجبلية المرة ، لسد حاجة البطن إلي الطعام. ويروي أحد الصحابة في هذا الحصار أنه حصل مرة علي قطعة جافة من الجلد ، فغسله بالماء ووضعه علي النار ، ثم بلله بالماء ثانية وأكمله.