فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 232

وبعد الخروج من هذا الحصار ذهب النبي صلي الله عليه وسلم إلي أهل الطائف ، وكانت تبعد أربعين ميلا عن مكة ، وكان يقطنها الأعيان والأثرياء من ثقيف ، واستخدام هؤلاء لغة بالغة السوء مع الرسول. وذهب أحدهم متحديا: (هو يمرط(يمزق) ثياب الكعبة ، إن كان الله أرسلك) ، وقال الآخر: (أما وجد الله يرسله غيرك) . وقال الثالث: (واله لا أكلمك أبدا ، لئن كنت رسولا من الله ، كما تقول ، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ، لئن كنت تكذب علي الله ما ينبغي لي أن أكلمك) .

ولم يكتف هؤلاء بهذا الاستهزاء ، بل أغروا به سفهائهم وعبيدهم ، يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس يرمونه بالأحجار ، إلي أن سقط علي صخرة مثخنا بالجراح ، وحين جلس ليستريح من الجراح والعنت ، رموه حتى نهض مبتعدا عنهم ، وهم يتابعونه بالسب والإيذاء والتصفيق. . ولم يزل هذا المشهد حتى أقبل المساء ، وأوي الرسول إلي حائط لعتبة بن ربيعة ، فجلس في ظل كرمة ، وهو جريح ملطخ بالدماء. وهذا الواقع الذي كان الرسول يذكره للسيدة عائشة في قوله:

(لقد لقيت من قومك ما لقيت ؛ وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة(123 ) ) .

وعلي الرغم من هذا الأذى الشديد ، فقد ظل الرسول يدعو إلي الحق. حتى اجتمعت قريش علي أنه لا سبيل إلي التخلص منه إلا بالقتل. وبناء علي مؤامرة دبروها ، أحاط عد من رؤسائهم وشبيبتهم ببيت الرسول ، وفي أيديهم سيوفهم المسلولة ، استعدادا لاغتيال الرسول صلي الله عليه وسلم. عندما يخرج من بيته لتأدية صلاة الصبح ، ولكنه بإذن من الله ، خرج من البيت دون أن يصاب بأذى ، وهاجر إلي المدينة المنورة.

ثم أعلنت قريش قتالا ضد النبي وأعوانه ، وجروه إلي الحرب ، وورطوه في هذه الحرب زهاء عشر سنين ، وقد سقطت في معاركها أسنانه الكريمة ، وكسرت رباعيته ، كما استشهد عدد كبير من صحابته ، وعاني مع أصحابه كل ما تعانيه الشعوب الضعيفة بعد إعلان الحرب عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت