فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 232

وهكذا دارت رحى التاريخ خلال ثلاثة وعشرين عاما من الكفاح ، وقبيل نهاية رسالته بعامين فتحت مكة ، ويومها وقف أمامه ألد خصومه ، لا يجدون نصيرا ولا معينا. . فهم يعرفون كيف يعامل المنتصر المغلوبين ، ولكن الذي لقبه ربه بأنه (رحمة للعالمين) سألهم:

_ (يا معشر قريش ، ما تظنون أني فاعل بكم؟)

_ فقالوا: (خيرا ، أخ كريم ، وابن أخ كريم) .

-فأعلنها الرسول صلي اله عليه وسلم.

(اذهبوا فأنتم الطلقاء!)

ذلكم ، ولا شك ، أعظم مثل للرحمة والعفو ، وهو معجزة من معجزات التاريخ الإنساني. ولو كان هذا الحدث من أحداث ما قبل التاريخ ، أو لم يكن مسلما به تاريخيا ، لكذبه المكذبون الذين في قلوبهم زيغ ، وقالوا: إنها أسطورة من أساطير التاريخ ، فلم يخلق إنسان بهذه الشيم!

وما أصدق ما قاله البروفيسور بورسورث سميث:

(وعندما ألقي نظرة إجمالية أستعرض فيها صفاته و بطولاته ما كان منها في بدء نبوته ، وما حدث منها فيما بعد ، وعندما أري أصحابه الذين نفخ فيهم روح الحياة ، وكم من البطولات المعجزة أحدثوا- أجده أقدس الناس ، وأعلاهم مرتبة ، حتى إن الإنسانية لم تعرف له مثيلا(124) .

إن المثل الأعلى الذي ضربه النبي في حياته الكاملة ، من الأخلاق العالية ، والزهد في الأموال والملذات ، شئ لا مثيل له في التاريخ.

لقد كان تاجرا ناجحا في مكة ، وكانت زوجه السيدة خديجة من أثري نساء العرب ، ولكن كل تجارته ، وثراء زوجته ، ذهبا في سبيل الدعوة ، ثم ابتلي ببلاء شديد ، حتى إنه قال مرة:

(لقد أخفت في الله ، وما يخاف أحد(أي مثل ما أخفت) ، ولقد أوذيت في الله ، وما يؤذي أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون من بين ليلة ويوم ، وما لي و لبلال طعام يأكله ذو كبد ، إلا شيء يواريه إبط بلال) (125) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت