فهرس الكتاب
وما عاني النبي كل هذا إلا لأجل دعوته ، لقد كان من الممكن أن يعيش حياة أخري ، تختلف كل الاختلاف عن الحياة البائسة التي عاشها في سبيل رسالته ، ولقد عرضت عليه حين كان بمكة ، عروض مغرية تكفل له العيش الرخي ، والمجد السني ، فأوفد إليه رؤساء قريش (عتبة بن ربيعة) ، الذي جاء ليقول له:
(يا ابن أخي ، إنك منا ، حيث قد علمت من السطة في العشيرة ، المكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ؛ فاسمع مني أعرض عليك أمورا ، تنظر فيها ، لعلك تقبل منها بعضها. فقال له: قل يا أبا الوليد أسمع ، قال: يا ابن أخي: إن كنت إنما تريد ، بما جئت به من هذا الأمر ، مالا ، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ؛ وإن كنت تريد به شرفا ، سودناك علينا ، حتى لا نقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا ، ملكناك علينا: وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع علي الرجل حتى يداوي منه) . حتى إذا فرغ عتبة ، ورسول الله صلي الله عليه وسلم يستمع منه قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال نعم قال:
فاستمع مني ، فقال: أفعل. . عليه الآيات الأولي من سورة (فصلت) ، فلما وصل إلي قوله تعالي: (مثل صاعقة عاد وثمود) أمسك عتبة علي فمه وناشده الرحم أن يكف (126 ) ) .
وفي المدينة المنورة ، كان النبي صلي الله عليه وسلم رئيسا لدولة المسلمين ، وكان يتمتع بمساعدين مثاليين ، يبذلون حياتهم لأجله ، ولم يعرف لهم نظراء علي مدي التاريخ ، ولكن الوقائع التاريخية أثبتت أنه- حتى في آخر أيام حياته ، حين أظلت رايته الجزيرة العربية كلها- بقي رجلا عاديا ، غير ملتفت إلي شهوات الدنيا ومغرياتها ، حتى لحق بالرفيق الأعلى.