فهرس الكتاب
إن الذين يستدلون بالتاريخ أو الاجتماع خطأهم الأساسي أنهم لا يدرسون الدين من وجه صحيح ولهذا يبدو لهم الدين شيئا غريبا ، ومثال ذلك أن ترى شيئا مربعا من زاوية منحرفة فيترائي لك مثلثا. إن الخطأ الذي يقعون فيه هو أنهم يتناولون الدين على أنه (مشكلة موضوعية Objective Problem) فهم يجمعون في سلة واحدة كل ما أطلق عليه اسم (الدين) من رطب ويابس ، في أي مرحلة من التاريخ ، ثم يتأملون في ضوء هذا المحصول حقيقة الدين! ! إن موقفهم ينحرف من أولى مراحله فيبدو لهم الدين -جزاء هذا الموقف الفاسد-عملا اجتماعيا لا كشفا لحقيقة ، ومن المعلوم أن لكل ما يكشف عن حقيقة من الحقائق مثلا أعلى ، ولا بد عند البحث عن هذه الحقائق أن ندرس مظاهرها وتاريخها في ضوء مثله الأعلى. أما الأمور التي تأتى بها أعمال اجتماعية فليس لها مثل أعلى. وبقائها رهن بحاجة المجتمع إليها.
والدين يختلف عن ذلك كل الاختلاف ، فليس من الممكن البحث عن حقائقه ، كما يبحث عن تطورات فنون العمارة والنسيج والحياكة والسيارات لأن الدين علم على حقيقة يقبلها المجتمع أو يرفضها ، أو يقبلها في شكل ناقص ، ويبقى الدين في جميع هذه الأحوال حقيقة واحدة في ذاتها وإنما يختلف في أشكاله المقبولة، ولهذا لا يمكن أن نفهم حقائق (الدين) بمجرد فهرسة مماثلة لجميع الأشكال الموجودة في المجتمعات باسم الدين.