الصفحة 102 من 195

أغلب السكان كما رأينا، وفرص عمل لملايين العتقاء، ومساكن لإيوائهم بعد مغادرتهم لبيوت السادة السابقين، إذ ليس من العدل ولا المنطق ولا الواقع أن تطالب السادة الذين فقدوا مصدرًا هامًا وأساسيًا للدخل - هو ما يدره عليهم عمل أولئك العبيد - لا يعقل أن نطالبهم بالاستمرار في الإنفاق على هؤلاء وإعالتهم، وقد انتهت العلاقة أو السبب القانوني لذلك، فضلًا عما يلحق بالملّاك من خسائر اقتصادية فادحة بسبب هذا"التحرير"المفاجئ لعبيدهم. ولا مفر كذلك من تعويض هؤلاء عن هذه الخسائر، إما بمقابل مادي، أو على الأقل بجزاء معنوى - الجنَّة - يجعل نفوسهم تطيب بهذا العتق. وبالطبع فإن تدبير لوازم المعيشة المستقلة للمحررين، وفرص عمل لهم، وكذلك تدبير موارد لتعويض السادة السابقين، كل ذلك يحتاج إلى وقت بلا خلاف .. ولعل أبلغ رد على من يتوهمون إمكانية إلغاء الرق بضربة واحدة حاسمة هو ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية .. فقد حاول الرئيس المصلح"أبراهام لنكولن"القضاء على الرق هناك بقانون حاسم فماذا كانت النتيجة؟ اندلعت حرب أهلية طاحنة بين ولايات الشمال المطالبة بإلغاء الرق، والولايات الجنوبية داعمة الاستعباد، استمرت سنوات، وهلك فيها الملايين من الفريقين، وتعرضت البلاد لخراب شامل. بل لقي لنكولن نفسه مصرعه بسبب محاولته إلغاء الرق، فقد اغتاله أحد المجرمين البيض الذين يرفضون السماح بتحرير السود ومساواتهم بالسادة!! وبقيت التفرقة العنصرية بعده قرونًا عديدة بل مازالت العبودية هناك في صور أخرى كما رأينا!! ونشير أيضًا إلى مئات الثورات الدموية الرهيبة التي اندلعت من جانب العبيد على مر العصور، احتجاجًا على القهر والإذلال وإهدار الآدمية، وتطلب قمع هذه الثورات - من جانب السادة - أنهارًا من الدماء، وخسائر اقتصادية فادحة. فهل هذا الهلاك للحرث والنسل والخراب الشامل مما يُلام الإسلام على تجنبه؟! إن هذه الجزئية في حد ذاتها هي من دلائل عظمة الإسلام، وأنه بالفعل من عند الله الحكيم العليم بما يصلح خلقه وما يناسبهم من تشريعات تحقق العدل والمساواة بين الجميع، وفي ذات الوقت تضمن الأمن والاستقرار في المجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت