الصفحة 103 من 195

لقد جاء الإسلام لحقن الدماء وحفظ الدين والعرض والعقل والمال أيضًا. أما حكاية الثورات الدموية الحمراء - على الطريقة الشيوعية البائدة - وشعارات"للحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق"، فهذا كله مما ترفضه العقول الذكية والطبائع السويّة فضلًا عن التشريعات السماوية. وعلى ذلك فالتدرج في التحرير على مراحل هو عين الحكمة والعدل. وهل يرضى عاقل بما اقترفته الشيوعية الدموية تلك من الفتك بعشرات الملايين من البشر في البلدان التي تسلّطت عليها - كما أشرنا - فضلًا عن الدمار الشامل لكل شيء؟؟ وتكفي نظرة على أحوال دول أوروبا الشرقية المتدهورة حتى الآن للتحقق من صحة ما نقول. وما حدث هو أن الشيوعية"استعبدت"الناس هناك حينًا من الدهر، فلما سقطت تسببت في الإيقاع بشعوب بلادها في أنواع جديدة من"الاستعباد"، ولكن"السادة الجدد"هم من"الغرب"هذه المرة!!! إنه استعباد اقتصادي وسياسي بل وجنسي أيضًا كما استعرضنا في فصل سابق (1) . فهل يلومون الإسلام الذي حَظَرَ كل هذا وحَرَّمَه تمامًا؟!!.

وهناك عبارة موجزة خالدة لعمر بن عبد العزيز تلخص بالضبط التصرف السليم تجاه مشكلة كالرق. فقد كان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما شابا صالحا يحث أباه العظيم على الإسراع بالقضاء على كافة المظالم التي وقعت قبل توليه الخلافة. فقال الخليفة العظيم:"يا بنى .. لو حملناهم على الحق جملة لتركوه جملة" (2) .. والمعنى الواضح هو أن أغلب الناس لا يتحملون التغيير المفاجئ، وخاصة إذا كان تغييرًا اجتماعيًا واقتصاديًا هائلًا مثل إلغاء الرق وتحرير العبيد الذين كانوا أكثر من الأحرار عددًا في كل المجتمعات. ومن شأن التشريع الذي يفعل هذا بخطوة واحدة متسرعة أن يفشل فشلًا ذريعًا، وبالتالي يتسبب في تثبيت دعائم المظالم وليس القضاء عليها. ونشير هنا مرة أخرى إلى أن كل المعاهدات الدولية والقوانين المحلية في كل الدول قد فشلت حتى الآن في القضاء على الرق - كما رأينا - وما زال عشرات الملايين من الفقراء - خاصة النساء والأطفال - ينضمون سنويًا - إلى جيوش الضحايا المستضعفين في الأرض .. المسألة ليست نصوصًا تصدر فينتهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت