الصفحة 104 من 195

الرق. إذ لا جدوى من تغييرالنصوص إذا لم تصلح النفوس. واصلاح الأنفس هو بالضبط ما فعله الإسلام أولا. وبدون إصلاح القلوب والعقول تتحول النصوص إلى مجرد"حبر على ورق"لا يسمن ولا يغني من جوع.

وأما من الناحية النفسية، فإن السادة يحتاجون وقتًا لتغيير نظرتهم إلى العبيد، وقبول الواقع الجديد بعد التحرير والتعامل معه بلا سخط أو تذمر. وكذلك يحتاج العبيد إلى وقت أيضًا للتكيف مع الواقع الجديد. يقول الأستاذ محمد قطب:"إن التحرير بإصدار مرسوم كما يتخيل البعض لم يكن ليحرر الرقيق! والتجربة الأمريكية في تحرير الرقيق بجرة قلم على يد إبراهام لنكولن خير شاهد لما نقول، فالعبيد الذين حررهم لنكولن - من الخارج - بالتشريع، لم يطيقوا الحرية، وعادوا إلى سادتهم يرجونهم أن يقبلوهم عبيدًا لديهم كما كانوا، لأنهم - من الداخل - لم يكونوا قد تحرروا بعد".

والمسألة على غرابتها ليست صعبة الفهم حين ينظر إليها على ضوء الحقائق النفسية. فالحياة عادة، والملابسات التي يعيش فيها الإنسان هي التي تكيّف مشاعره وتصوغ أحاسيسه وأجهزته النفسية. والكيان النفسي للعبد يختلف عن الكيان النفسي للحر، لا لأنه جنس آخر كما ظن القدماء، ولكن لأن حياته في ظل العبودية الدائمة جعلت أجهزته النفسية تتكيف بهذه الملابسات، فتنمو أجهزة الطاعة إلى أقصى حد، وتضمر أجهزة المسئولية واحتمال التبعات إلى أقصى حد ..

فالعبد يحسن القيام بكثير من الأمور حين يأمره بها سيده، فلا يكون عليه إلا الطاعة والتنفيذ. ولكنه لا يحسن شيئًا حين تقع مسئوليته على نفسه، ولو كان أبسط الأشياء، لا لأن جسمه يعجز عن القيام بها، ولا لأن فكره - في جميع الأحوال - يعجز عن فهمها؛ ولكن لأن نفسه لا تطيق احتمال تبعاتها، فيتخيل فيها أخطارًا موهومة، ومشكلات لا حل لها، فيفر منها إبقاء على نفسه من الأخطار!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت