فهرس الكتاب
ولعل الذين يمعنون النظر في الحياة المصرية - والشرقية - في العهود الأخيرة يدركون أثر هذه العبودية الخفية التي وضعها الاستعمار الخبيث في نفوس الشرقيين ليستعبدهم. يدركونها في المشروعات المعطلة التي لا يعطّلها - في كثير من الأحيان - إلا الجبن عن مواجهة نتائجها! والمشروعات المدروسة التي لا تنفذها الحكومات حتى تستقدم خبيرًا روسيا أو إنجليزيًا أو أمريكيًا .. إلخ ليحتمل عنها مسئولية المشروع، ويصدر الإذن بالتنفيذ، ونلاحظ الشلل المروع الذي يخيم على الموظفين في الدواوين ويقيد إنتاجهم بالروتين المتحجر، لأن أحدًا من الموظفين لا يستطيع أن يصنع إلا ما يأمره به"السيد"الموظف الكبير، وهذا بدوره لا يملك إلا إطاعة"السيد"الوزير، لا لأن هؤلاء جميعًا يعجزون عن العمل، ولكن لأن جهاز التبعات عندهم معطل, وجهاز الطاعة عندهم متضخم، فهم أشبه شيء بالعبيد، وإن كانوا رسميًا من الأحرار!.
هذا التكيف النفسي للعبد هو الذي يستعبده. وهو ناشئ في أصله من الملابسات الخارجية بطبيعة الحال، ولكنه يستقل عنها، ويصبح شيئًا قائمًا بذاته كفرع الشجرة الذي يتدلى إلى الأرض، ثم يمد جذورًا خاصة به ويستقل عن الأصل. وهذا التكيف النفسي لا يذهب به إعلان تصدره الدولة بإلغاء الرق. بل ينبغي أن يُغَّير من الداخل، بوضع ملابسات جديدة تكيف المشاعر على نحو آخر، وتنمّي الأجهزة الضامرة في نفس العبد، وتصنع كيانًا بشريًا سويًا من كيانه المشوّه الممسوخ، وذلك ما صنعه الإسلام. فقد بدأ أولًا بالمعاملة الحسنة للرقيق. ولا شيء كحسن المعاملة يعيد توازن النفس المنحرفة، ويرد إليها اعتبارها، فتشعر بكيانها الإنساني، وكرامتها الذاتية، وحين ذلك تحس طعم الحرية فتتذوقه، ولا تنفر منه كما نفر عبيد أمريكا المحررون" (3) انتهى. وهكذا يتضح بكل جلاء أن التدرج واتباع خطة ذات مراحل زمنية ممتدة لعلاج الرق وتثبيت واقع التحرير الجديد هو أمر لا مفر منه، اللهم إلا إذا كان الغرض الوحيد من المعارضة هنا هو فقط الشغب ومحاولة التشويش والتشويه المفتعل!!"
أساس المنهج