الصفحة 111 من 195

والحديث الشريف قاطع الدلالة في النهي عن الإساءة إلى العبيد وإثبات"أخوتهم"لمالكيهم، وتحريم سبهم أو معايرتهم بالرق. كما أن في الحديث أمر نبوي نبيل بإطعامهم من ذات الطعام الذي يتناوله السادة، وكسوتهم من ذات الثياب، وكذلك تحريم تكليف الرقيق بالأعمال الشاقة التي ترهقهم، فإن لم يكن هناك مفر من أداء تلك الأعمال الشاقة فلابد أن يساعدهم السادة على أدائها بأنفسهم أو باستئجار من يعينهم عليها. وهناك حديث آخر لمسلم بذات المعنى:"للمملوك طعامه وكسوته ولا يُكَلَّف من العمل إلا ما يطيق".. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم حَرَّم مجرد أن يُنادى المملوك بكلمة: عبدي أو أمتي، حفاظًا على مشاعر هؤلاء المساكين. وقال صلى الله عليه وسلم:"لا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي"رواه البخاري وغيره. وهو أيضا التعبير الوارد في الكتاب العزيز-فتى أو فتاة- فهل هناك تكريم ورعاية لمشاعر النفس الإنسانية المبتلاة بالرق أكثر من ذلك؟!! ويعلق الإمام القرطبي على هذه الأحاديث الشريفة قائلًا:"ندب صلى الله عليه وسلم السادة إلى مكارم الأخلاق وحضَّهم عليها، وأرشدهم إلى الإحسان، وإلى سلوك طريق التواضع حتى لا يروا لأنفسهم مزيّة على عبيدهم، إذ الكل عبيد الله والمال مال الله، ولكن سخَّر بعضهم لبعض"انتهى. وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم عطوفا رحيما بالرقيق. وثبت أنه أوصى بالضعيفين المملوك والمرأة. و روى شعبة عن أنس أن الرسول عليه السلام"كان يركب الحمار ويلبس الصوف ويجيب دعوة المملوك"، أى يلبى دعوة العبد الى طعامه جبرا لخاطره و لايتكبّر عليهم، كما أنه لم يشتم أو يضرب عبدا ولا جارية قط. وتطبيقًا لهذا الهدي النبوي كان علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه يخص غلامه بالثياب الجديدة ويكتفي هو بالقديم من الملابس، فلما تساءل الغلام قال له: يا بني إنك شاب تحتاج إلى الجديد، أما أنا فقد كبرت سني وتكفيني ملابسي تلك. وكان رضي الله عنه يقول: إني أستحي من الله أن أسترق من يؤمن بالله واليوم الآخر .. وكان على بن الحسين يجلس إلى عبد أسود يستزيد منه علمًا وفقهًا، وعندما عاب عليه البعض ذلك أجابهم قائلًا: إنما يجلس المرء حيث ينتفع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت