الصفحة 112 من 195

وتطبيقًا لذلك الهدي أيضًا، نَهَر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعض السادة عندما وجدهم يتناولون الطعام، بينما مماليكهم واقفين بعيدًا لا يشاركونهم فيه، وأصر رضي الله عنه على أن يجلس الأرقاء مع سادتهم للأكل من ذات الإناء. وكان رضي الله عنه يتفقد في خلافته - منطقة"العوالي"بالمدينة، فإذا رأى عبيدًا يقومون بأداء أعمال شاقة، يأمر السادة بالتخفيف عنهم أو مساعدتهم على إنجازها. وشوهد سلمان الفارسي يعجن دقيقا, فلما سُئل عن ذلك قال: بعثنا الخادم في شيء، فكرهنا أن نجمع عليه عملين، وعن عبد الله بن عمرو أنه سأل وكيله على المال: أعطيت الرقيق طعامهم؟ قال الوكيل: لا، فصاح به عبد الله أن يسارع بإطعامهم، وروى في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوتهم" (2) . وكان الناس لا يعرفون عبد الرحمن بن عوف إذا سار وسط مماليكه، لأن الكل يلبس ثيابًا واحدة.

القصاص من السيد

وليس هذا فحسب، بل إن من ضرب مملوكه فكفّارته أن يعتقه، كما سنبين لاحقًا، وكذلك من يؤذي عبده أو جاريته بأية صورة من صور الإيذاء البدني أو المعنوي، فضلًا عن القصاص إن لم يقبل العبد المجني عليه بالتعويض أو العفو عن الجاني.

روى الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"من قتل عبده قتلناه، ومن جَدَعَ عبده جدعناه، ومن خصى عبده خصيناه" (3) . واستنادًا إلى هذا الحديث الشريف ذهب الرأي الراجح إلى أن الحُرّ يُقتل قِصاصًا إذا قتل عبدًا متعمدًا. قال الصنعاني في"سبل السلام": والحديث دليل على أن السيد يُقاد بعبده في النفس - يُقتل إذا قتله - والأطراف - أي يقتص منه إذا قطع طرفًا أو جزءًا من جسم العبد - إذ الجدع هو قطع الأنف أو الأذن أو اليد أو الشفة كما في القاموس. ويقاس عليه إذا كان الجاني شخصا آخر غير السيد بطريق الأولى. وذهب النخعي وغيره إلى أنه يُقتل الحرّ بالعبد مطلقًا عملًا بالحديث المذكور، وأيده عموم قوله تعالى:"النفس"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت