الصفحة 124 من 195

يؤيد كثير من العلماء - القدامى والمعاصرين - ذات الرأي السديد خلافًا لرأي آخر شاذ يرى جواز قتلهم (5) .

والواقع أنه يستحيل على عالم أو عاقل أن يقبل القول بأن آية واحدة هي آية السيف المذكورة قد نسخت عشرات الآيات التي تدعو إلى السلم و الرحمة والمعاملة النبيلة لغير المحاربين لنا، بل والمحاربين الأسرى و الجرحى، كما يستحيل قبول فكرة أن الله"الرحمن الرحيم"يأمر نبيه الذي لم يرسله إلا"رحمة للعالمين"بإعمال السيف في رقاب كل من يقابله من غير المسلمين، وقتل الأسرى والجرحى والنساء والأطفال والشيوخ غير المقاتلين. فهذا كله يتعارض مع آيات قرآنية قاطعة وأحاديث صحيحة ثابتة، وأفعال الرسول عليه السلام طوال عمره الشريف. وإذا كانوا يستندون إلى 4 أفراد فقط- من الأسرى - أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم، فهو استدلال خاطئ، لأن الرسول أصدر حكمه عليهم بالإعدام باعتباره قاضيًا، وليس قائدًا عسكريًا، عقابا لهم على جرائم ارتكبوها ضد الإسلام والمسلمين من قبل. فهم باصطلاح عصرنا من"مجرمى الحرب"، وكل الأمم تحاكم وتعاقب مجرمى الحرب بعد وقف القتال. وهؤلاء يشكلون الاستثناء الذي يثبت قاعدة"المَنّ أو الفداء"ولا ينفيها. إذ مقابل هذه الحفنة عفا الرسول عن عشرات الألوف من الأسرى في فتح مكة وبعد غزوات بدر وحنين وبني المصطلق وغيرها من المواطن.

وبالإضافة إلى ابن عمر والحسن البصري وعطاء يقول ابن كثير عن آية المن أو الفداء:"أكثر العلماء يرون أنها ليست بمنسوخة".. وقالوا إن الإمام مخيَّر بين المنّ على الأسير - أي إطلاق سراحه بدون مقابل - أو الفداء - أي استبداله بأسرى المسلمين، أو مقابل مال، أو حتى تعليم بعض المسلمين حرفة نافعة أو القراءة والكتابة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أسرى بدر. ويؤكد أصحاب هذا الرأي الوجيه أن الإمام ليس له أن يقتل الأسرى طبقًا لهذه الآية، فهي صريحة في النص على المنّ أو الفداء فقط ولا ثالث لهما. وهذا يعني بوضوح - كما يرى كثير من العلماء - أنه لا يجوز له استرقاق الأسرى أيضًا. بل ذكر الإمام البيضاوى في تفسيره"أنوار التنزيل وأسرار"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت