الصفحة 125 من 195

التأويل"صراحة أن الآية نسخت الاسترقاق. ونلاحظ أن الآية العظيمة بدأت أولًا بذكر"المَنّ"قبل"الفداء"، مما يشير إلى أفضلية ذلك التصرف النبيل بإطلاق سراح أسرى الأعداء بدون مقابل، ففي ذلك إظهار لنبل وسماحة الإسلام. وقال الإمام الشوكانى فى"فتح القدير": قدَّم الله تعالى المَنَّ على الفداء لأنه من مكارم الأخلاق، ولهذا كانت العرب تفتخر به حتى قبل الإسلام. وماجاء الاسلام الا ليتمّم مكارم الاخلاق. وكثيرًا ما كان هذا سببًا في إسلام الأسرى الذين أيقنوا أن هذا النبل والتسامح دليل قاطع على أن الإسلام هو الدين الحق، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله حقًا وصدقًا، وليس من ملوك الدنيا الذين يريدون العلو في الأرض أو الإفساد. والمثال الواضح لذلك قصة ثمامة بن أثال الحنفي - سيد قومه الذي أسره المسلمون وربطوه في المسجد. وكان عدوًا شديد الضراوة في الفتك بالمسلمين المارين بمنطقته. ومر به الرسول عليه السلام وهو مربوط بأحد أعمدة المسجد، فأمر بإطلاق سراحه. وعلى الفور انطلق ثمامة إلى ماء قريب فاغتسل وعاد ليشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله (6) . وصار بعد ذلك من أخلص أنصار الاسلام والمسلمين."

كما روى البخاري وغيره حديث"فكوا العاني"- يعني الأسير - وهو أمر نبوي شريف لا سبيل إلى المجادلة في دلالته الواضحة والقاطعة على وجوب تحرير الأسرى كمنهج إسلامي ثابت. وعند البخارى أيضًا أن رجلًا سأل عليًا عن الصحيفة التى عنده، فأقسم أنه ليس فيها إلا"العقل وفكاك الأسير وألا يُقتل مسلم بكافر". إذن فمن المقطوع به أن اطلاق سراح الأسير كان من أهم وصايا النبى عليه السلام.

وكذلك عفا النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة من المشركين بعد الفتح، وكان يملك أن يقتص منهم لما فعلوه به وبأصحابه من قبل، لكن نبي الرحمة آثر دائمًا الدفع بالتي هي أحسن وأنبل وأكرم، فقال لهم قولته الشهيرة:"إذهبوا فأنتم الطلقاء" (7) .

وروى الإمام مسلم أن النبى عليه السلام عفا عن ثمانين من المشركين حاولوا الهجوم على المسلمين في صلح الحديبية وتمكن الصحابة من أسرهم، وقال عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت