الصفحة 140 من 195

ممكنًا أن ينجب أولادًا يعبدون الله كذلك، كما أن القاتل عطَّل على القتيل حقه في التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل الله له طوال عمره واكتساب الحسنات والخيرات. وقال الامام النسفي:"لمّا أخرج نفسًا مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسًا مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها، من قِبل أن الرقيق ملحق بالأموات، إذ الرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكمًا". انتهى ما ذكره الإمام العبقرى في تفسير الاّية. ولا يوجد أروع ولا أوضح من هذا الكلام النفيس لبيان كراهية الإسلام للرق، إذ هو كالموت تمامًا، و أهمية العتق، إذ الحرية للعبد كالحياة للميت. ويقول الإمام القرطبي عن هذه العلة- سواء فوات حق العبد في حياته أو حق الله في حياة عبده المؤمن-:"أي واحد من هذين المعنيين كان ففيه بيان أن النص وإن وقع على القاتل خطأ فالقاتل عمدًا مثله بل أولى بوجوب الكفَّارة منه".

2 -كفّارة القتل العمد

ولهذا أورد الإمام القرطبي في تفسير الآية التي بعدها:"ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا" (النساء: 93) ، ما ذهب اليه مالك والشافعي من أنه: علي قاتل العمد الكفارة - تحرير عبد أو جارية - كما في القتل الخطأ. وقال الشافعي: إذا وجبت الكفارة في الخطأ فإن وجوبها في العمد أولى، وليس ما ذكره الله تعالى في كفارة العمد بمسقط ما قد وجب في الخطأ. وقد قيل أن القاتل عمدًا إنما تجب عليه الكفارة إذا عُفي عنه فلم يقتل، فإذا قتل قيل تؤخذ الكفارة من ماله وقيل لا تؤخذ. ومن قتل نَفْسَه فعليه كفارة تحرير رقبة تؤخذ من ماله (2) . والواقع أننا نرجّح أن على القاتل عمدًا تحرير رقبة، فهو أشد إجرامًا وأجدر بأن يجبر على تحرير نفس مؤمنة للتكّفير عن ذنبه و لتعويض المجتمع عن المسلم الذي قتله. ويشهد لذلك ما حدث عندما جاء أقارب قاتل عمد إلى النبي ليسألوه كيف ينقذونه من النار، فأرشدهم عليه السلام إلى أن يعتقوا عنه عبدًا، فيعتق الله بكل عضو منه عضوًا من القاتل من النار" (سنن أبي داود 3964) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت