فهرس الكتاب
ومما يؤكد هذا الرأي أن سيرين كان عبدًا لأنس بن مالك، وطلب منه أن يكاتبه لينال حريته، لكن"أنس"تباطأ في إجابته، وعلم عمر بن الخطاب بذلك فضرب أنسا بالدرة - عصا صغيرة - وأمره بأن يكاتب سيرين ليعتقه بعد ذلك. ولو كان قبول المكاتبة إختياريًا للمالك لما ضرب الخليفة أنسًا - وهو الفاروق العادل - وإنما ضربه لرفضه تنفيذ الأمر الإلهي بالمكاتبة إن طلبها العبد.
وتكون المكاتبة على أقساط تيسيرًا على العبد. ويروى عن علي ابن أبي طالب أن العبد إذا أدى ثلاثة أرباع ما عليه بموجب عقد المكاتبة فإنه يتحرر، لأن الله تعالى أمر السادة أن يضعوا عن العبيد الربع من المبلغ المتفق عليه نظير العتق. بل روي عن علي وشريح أن العبد يصبح حُرًّا إذا أدى قسطًا واحدا من مال المكاتبة، فإن الحرية لا تتجزأ، ورأى فريق من العلماء: أن المكاتب يتحرر إذا أدى نصف المتفق عليه. وقال ابن مسعود: إذا أدي الثلث فقط عُتق.
قال تعالى:"والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم"النور:33. وهذه الآية الكريمة كما قال المفسرون: تُلْزِم السادة بأن يضعوا عن العبيد المكاتبين جزءًا من القدر المتفق على دفعه في المكاتبة لتحريرهم. ويرى فريق من العلماء أن بيت مال المسلمين عليه أن يعين المكاتب بجزء من حصيلة أموال الزكاة لقوله تعالى في بيان مصارف الزكاة:"وفى الرقاب"سورة التوبة:60، والأية الأخرى 177 من سورة البقرة. وقد ذهب فريق من العلماء إلى أنها تلزم بإعانة المكاتبين بدفع ما يعجزون عنه من الأقساط. ولنا دليل آخر يؤيد هذا الرأي من قصة مكاتبة سلمان الفارسي رضي الله عنه لمالكه اليهودي، فقد أعانه الرسول بنفسه الشريفة، وأمر أصحابه بمساعدته، ثم أعطاه قطعة ذهبية من بيت المال ليستكمل دفع ما عليه لمالكه اليهودى - وستأتي القصة في الفصل الأخير - وهذا يقطع بوجوب مساعدة المكاتب على نيل حريته من بيت المال و عموم المسلمين. وثواب هذا عظيم جزيل لمن يفعله، كما ورد بالحديث الشريف عن الثلاثة الذين يظلهم الله بظله يوم القيامة، ومنهم من أعان مكاتبًا في رقبته، أي