الصفحة 178 من 195

رضي الله عنها. فعندما هاجرت أصابها عطش شديد في الطريق ولم يكن معها ماء، وكانت صائمة، فنزل عليها من السماء دلو أبيض ممتلئ بالماء فشربت منه حتى رويت .. وكانت تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش - بسبب الماء الذي نزل عليها من السماء - ولقد كانت تصوم في الأيام الشديدة الحرّ فما تشعر بعطش بعد تلك الشربة المباركة. والقصة أوردها ابن سعد في ترجمة أم أيمن. وكان الرسول يداعبها، قالت له يوما: احملني - أي أعطني ناقة أركبها وأتنقل عليها، فرد عليه السلام:"أحملك على ولد الناقة"قالت: يا رسول الله إنه لا يطيقني ولا أريده. قال:"لا أحملك إلا على ولد الناقة". علق ابن سعد قائلا:"يعني أنه كان يمازحها، وكان النبي عليه السلام يمزح ولا يقول إلا حقا، والإبل كلها ولد النوق". انتهى.

وكان النبي يرضيها كما شاءت، ومن ذلك أنه بعد فتح بني قريظة والنضير، رد النبي عليه السلام على المسلمين ما كانوا قد تبرعوا به للدعوة وأضياف النبي من نخيل وإبل، فقد جاءت الغنائم ببديل كاف. وكانت لأنس بن مالك نخلات تبرع بها، فجاء إلى النبي ليستردها كما استرد الناس، وكان النبي عليه السلام قد أعطاها لأم أيمن، فرفضت ردها، وأمسكت بخناق أنس بن مالك، والرسول يبتسم قائلا لها:"لك كذا"، فترد عليه"كلا والله"، وظل النبي صلى الله عليه وسلم يزيدها حتى أعطاها عشرة أمثال نخلات أنس بن مالك لتتركها له. ولو حدث مثل هذا في أية أُمَّة أخرى للقيت الجارية التي تتجرأ هكذا على سيدها - مصرعها في التو واللحظة، لكنه النبي الذي أرسله ربه"رحمة للعالمين" (الأنبياء:107) . وعندما لقي الرسول صلى الله عليه وسلم ربه اشتد بكاء"أم أيمن"وسألوها عن السبب فقالت: والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيموت، ولكني إنما أبكي على الوحي إذ انقطع عنا من السماء (4) .. ولذات السبب بكت"أم أيمن"عند استشهاد الخليفة العظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلة: اليوم وَهَى - ضعف - الإسلام .. يا لها من سيدة عظيمة حكيمة فقهت ما عجز عن فهمه كثير من الرجال أمثال هؤلاء الذين يتطاولون على الإسلام بالداخل والخارج، ولا يدركون كيف أعلى الإسلام مكانة العبيد والجواري أمثال"أم أيمن"رضي الله عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت