فهرس الكتاب
ما تصلح إلا لك. فأعطى الرسول لدحية عوضًا عنها وضمها إليه .. ومن المهم هنا أن نسجل مَكْرَمة تخفى على كثير من الناس، وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتخذ صفية جارية كعادة الأمم الأخرى، بل بدأ عليه السلام بتكريم مثواها، ثم خيَّرها بين العتق وإطلاق سراحها إن أرادت البقاء على يهوديتها والرحيل معززة مكرمة إلى المكان الذي هرب إليه بقايا قومها، أو الإسلام والزواج منه بعد عتقها أيضًا.
ففي جميع الحالات أعتقها عليه السلام سواء تزوجته أم رفضت الزواج منه. وهكذا هو الإسلام يجبر المكسور، ويعزّ به الذليل، ويزداد الشريف به شرفًا. وافقت صفية رضي الله عنها فورًا على الزواج من النبي قائلة:"يا رسول الله لقد هويت الإسلام، وصدّقت بك قبل أن تدعوني، وخيرتني بين الكفر والإسلام، فالله ورسوله أحب إلي من العتق، ومن الرجوع إلى قومي".. فتزوّجها عليه السلام وجعل عتقها صداقها.
ويعلق الإمام ابن القيّم رضي الله عنه على ذلك بقوله:"جعل عتقها صداقها، فصار ذلك سُنَّة للأمة إلى يوم القيامة أن يعتق الرجل أمته ويجعل عتقها صداقها، فتصير زوجته بذلك. فإن قال الرجل: جعلت عتق أمتى صداقها صح العتق والنكاح، وصارت زوجته من غير احتياج إلى تجديد عقد ولا ولي. وهو ظاهر مذهب أحمد وكثير من أهل الحديث. انتهى."