الصفحة 186 من 195

أنزلها النبي عليه السلام في مسكن خاص مثل غيرها من نسائه، وكان يجري عليها النفقة كالمأكل والملبس مثلهن سواء بسواء. ثم كان يحنو عليها ويقربها إليه ويعاشرها كباقي زوجاته بمنتهى العدالة والنبل. وشاء الله عزّ وجل أن يُنْعم على السيدة مارية بما لم تحظ به حتى السيدة عائشة أحب زوجات النبي إلى قلبه. فقد ولدت السيدة مارية للنبي أحب أولاده إلى قلبه وهو"إبراهيم"عليه السلام. والمعروف أن عائشة وحفصة وغيرهن من الحرائر من أزواجه لم ينجبن منه بإستثناء السيدة خديجة رضي الله عنها والتي كانت قد توفيت بمكة. وهكذا حظيت مارية رضي الله عنها بالقسط الأوفر من المحبة والتكريم باعتبارها أم"إبراهيم"الولد المحبب إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم.

و من بركتها أيضا أنها كانت سببًا في تشريع عتق"أم الولد"وهي الجارية التي تلد لسيدها ولو"سقطًا"أي جنينًا يقذفه الرحم ميتًا. إذ أنه فور علمه صلى الله عليه وسلم بمولد ابنه إبراهيم من مارية قال صلى الله عليه وسلم:"أعتقها ولدها". وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال:"أيّما أمة ولدت من سيدها فإنها حرّة إذا مات إلا أن يعتقها قبل موته"أخرجه ابن ماجة في كتاب العتق، والدارمي في البيوع (7) ، وأحمد في مسنده (8) . فأي بركة تسببت فيها سيدتنا مارية؟ وأي خير أصاب الملايين من الجواري على مر العصور بسببها؟ إنها لم تتحرر وحدها بمولد إبراهيم فحسب، بل حررت معها كذلك كل جارية تلد لسيدها ولو سقطًا غير مكتمل.

ثم هناك أهم نعمة نالتها وهى هدايتها للإسلام، وأنها آمنت بالله وحده ربا لا شريك له ولا ولد، وآمنت بنبيه الذي يحشرها الله معه في الجنّة زوجة له مع أخواتها الأخريات. ولم يكن هذا هو كل ما في حياة السيدة مارية من بركات .. فقد أبى الله إلا أن تكون مارية المصرية سبب خير وبركة وشرف عظيم لأهل مصر كلهم .. روى الإمام مسلم- في فضائل الصحابة- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"استوصوا بالقبط خيرًا فإن لهم ذمة ورحمًا". قال - في شرح الحديث-: ورحمهم أن أم إسماعيل بن إبراهيم عليهم السلام منهم، وأم إبراهيم ابن النبي عليهم السلام منهم (9) انتهى. وكفى المصريين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت