الصفحة 189 من 195

الأعراب أن يعطيهم مالًا مقابل أن يحملوه معهم إلى بلاد العرب. لكنهم غدروا به في الطريق، وباعوه عبدًا لرجل من يهود يثرب. صبر رضي الله عنه على الرق وسوء معاملة سيده اليهودي له حتى هاجر النبي عليه السلام إلى يثرب. فانطلق إليه سلمان، وتحقق من وجود العلامات الثلاث به فاحتضنه وبكى ممّا عرف من الحق. وقصّ على النبي وأصحابه قصته. فأرشده عليه السلام إلى مكاتبة سيده اليهودي ليحصل على حريته. اتفق سلمان مع اليهودي على أن يحرّره مقابل ثلاثمائة نخلة يغرسها له وأربعين أوقية من ذهب. وقال النبي عليه السلام لأصحابه:"أعينوا أخاكم"، فجعل كل منهم يأتي بالنخلات الصغار قدر استطاعته، حتى جمعوا له الثلاثمائة المتفق عليها. و قام النبي صلى الله عليه وسلم بغرسها جميعا بيده الشريفة فنبتت كلها ببركته. ثم أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم سلمان قطعة صغيرة من الذهب قائلا له:"خذها فإن الله سيؤدي بها عنك". وبالفعل تحققت معجزة أخرى ووزنت القطعة الصغيرة أكثر من حق اليهودي، و تحرّر سلمان من الاستعباد. وبهذا السلوك أرشد المصطفى صلى الله عليه وسلم الأمة كلها إلى ضرورة اعانة المكاتب ومساعدته على التحرر بتبرعات الأفراد، ومن بيت المال، وأن يكون الحاكم قدوة بنفسه في هذا المجال. وسلمان هو الذي أشار على النبي بحفر الخندق حول المدينة لتأمينها ومنع الأحزاب الكافرة من دخولها في غزوة الخندق. وبلغ من حب النبي وأصحابه لسلمان رضي الله عنه أن تنازع المهاجرون والأنصار أمره. قال المهاجرون: سلمان منّا نحن المهاجرون، وقال الأنصار: بل سلمان منّا نحن الأنصار، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم حسمًا للأمر وتكريمًا لسلمان:"سلمان منّا آل البيت"أخرجه الحاكم وابن سعد.

وهكذا رفع الله منزلة العبد السابق بالإسلام بجعله ليس فقط صاحبا لرسوله، بل منسوبًا إلى أهل بيته عليهم السلام أجمعين.

وما نعرف لهذا نظيرا في أيّة أمّة أخرى من الأولين و الآخرين. وقال عنه الرسول عليه السلام:"سلمان سابق الفرس". أخرجه أبو نعيم والحاكم، وقال الذهبي معناه صحيح. وشاء قدر الله أن يمتد بسلمان العمر حتى تولى إمارة المدائن - بلاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت