الصفحة 52 من 195

الأرباح ولو كانت على حساب موت الآخرين جوعًا. فوفقًا لقوانين هذا النظام ليس هناك ما يمنع أن تلقي دول الغرب الفائض من انتاجها في البحر حتى تحافظ على سعر المنتج، بينما يموت آخرون بسبب فقده!! كما أن النظام الاقتصادي العالمي الجديد تحكمه الشركات متعددة الجنسيات العملاقة ومعها الشركات المحلية. ولا مجال فيه لتشريعات سمحة تمهل المدين إلى ميسرة، أو تأخذ صدقة من أغنيائهم فتردها إلى فقرائهم، أو تبطل بيع ما لا نفع فيه، أو تمنع ما لم ينضبط جانب الغنم أو الغرم فيه، أو تفسد من المعاملات ما كان فيها جهالة أو غرر، أو تحرم سلعًا لمفسدتها فتمنع من التعامل بها .. إلخ.

ومما لاشك فيه أن السنوات العشرين الأخيرة شهدت تحولات ضخمة على الصعيد العالمي كله نتيجة لهذا النظام, فأصبحت المؤسسات المائة الكبرى في العالم تتحكم في 20% من إجمالي أموال العالم. كما أن 51% من أكبر قوة اقتصادية تسيطر عليها مؤسسات كبرى، بينما لا تسيطر الحكومات سوى على الـ 49% الباقية فقط. ويبدو في الإطار نفسه أن مبيعات شركات (جنرال موتورز) و (فورد) مثلًا تفوق الناتج القومي الإجمالي لجميع دول جنوب الصحراء في القارة الإفريقية، وتتجاوز ممتلكات شركات (آي. بي. إم) و (بي. بي) و (جنرال إليكتريك) الإمكانيات الاقتصادية التي تمتلكها معظم البلدان الصغيرة في العالم!! كذلك فإن دخل بعض محلات (السوبر ماركت) الأمريكية قد يزيد على دخل معظم دول وسط أوروبا وشرقها بما فيها بولندا، والمجر ورومانيا.

وهذه الشركات الضخمة لا تتورع عن إبرام أية صفقات مشبوهة وارتكاب كل المحظورات من أجل تعزيز نفوذها المالي والاقتصادي، لتكون النتيجة بالتالي التحكم في كل ما يحتاجه الإنسان العادي حتى أبسط حاجات حياته اليومية. وهذا ما يسميه بعضهم بـ (الاستملاك الصامت) ، أو بتعبير أدق (الاستعباد الصامت) حيث أصبحت الحكومات مغلولة الأيدي، والشعوب مقيدة بشروط تفرضها المؤسسات الكبرى التي تحدد قواعد اللعبة حسب مصالحها الذاتية، والتي لا تملك الحكومات سوى تنفيذها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت