فهرس الكتاب
فإن الشريعة الغراء حينئذ لا تقره، وإلا ضاعت حكمة المصالح والمفاسد التي يجب مراعاتها، فإن تركه في تلك الحال إقرار له أن يكتسب من وجه غير مشروع يضر به عامة الناس.
قال ابن القيم رحمه الله:"ومن ذلك الاحتكار لما يحتاج الناس إليه.."
وقد روى مسلم في صحيحه: عن معمر بن عبد الله العدوي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحتكر إلا خاطئ) . [سبق تخريجه قريبًا] .
فإن المحتكر الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام، فيحبسه عنهم ويريد إغلاءه عليهم، هو ظالم لعموم الناس..
ولذا كان لولي الأمر أن يكره المحتكرين على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس في مخمصة، أو سلاح لا يحتاج إليه، والناس يحتاجون إليه، أو غير ذلك..
فإن من اضطر إلى طعام غيره، أخذه منه بغير اختياره بقيمة المثل، ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره فأخذه منه بما طلب، لم يجب عليه إلا قيمة مثله". [الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص243] ."
وبين رحمه الله في موضع آخر أن التسعير قد يكون ظلمًا، إذا تضمن إكراه الناس على البيع بثمن لا يرضونه بغير حق، وقد يكون واجبًا، إذا أكرههم على ثمن المثل بالحق.
فقال:"وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس، مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل: فهو جائز، بل واجب". [المرجع السابق ص244] .
ومما يدخل في الاحتكار اختصاص أصناف معينين من الناس بشراء بعض السلع وبيعها ومنع غيرهم من مشاركتهم فيها.
مثل وكلاء الشركات العالمية المعاصرة، فإنهم إذا رفعوا الأسعار بأكثر من سعر المثل أوقعوا عامه الناس في حرج وضيق وأنزلوا بهم الضرر..