فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 175

وقد يرد إشكال على قصة أمر عمر رضي الله عنه برجم المجنونة، وبخاصة كونه كان يعلم هذا الحكم الذي نبهه عليه علي رضي الله عنه وسأله إن كان يعلمه، فأجاب:"بلى".

وقد أجاب الخطابي، رحمه الله على ذلك، فقال:

"لم يأمر عمر رضي الله عنه برجم مجنونة مطبق عليها الجنون، ولا يجوز أن يخفى هذا عليه، ولا على أحد ممن بحضرته.."

ولكن هذه امرأة كانت تجن مرة، وتفيق أخرى، فرأى عمر رضي الله عنه أن لا يسقط عنها الحد لما يصيبها من الجنون، إذ كان الزنا منها حال الإفاقة..

ورأي علي رضي الله عنه أن الجنون شبهة يدرأ بها الحد عمن يبتلى به، والحدود تدرأ بالشبهات، فلعلها قد أصابت ما أصابت وهى في بقية من بلائها، فوافق اجتهاد عمر رضي الله عنه اجتهاده في ذلك. فدرأ عنها الحد". [معالم السنن (6/230) ] ."

المبحث التاسع: ربط إقامة الحدود بولي الأمر

إنه لوكان لكل أحد إقامة الحد أو القصاص، لاعتدى من شاء على من يشاء، ولم يعجز عن دعوى سبب أوجب له ذلك وقد يقيم الحجة على دعواه..

وقد تكون الحجة مزورة في الواقع، وقد تكون شروط القصاص أو الحد غير متوفرة، ولا يخفي ما في ذلك من إهدار للنفوس وتمكين للفوضى واختلال الأمن، وأعظم ما يعتدى عليه من الضرورات - بعد الدِّين - النفس التي حرم الله قتلها بغير حق..

لذلك كانت إقامة الحدود والقصاص من حق الإمام أو نائبه، وليس لغيرهما، كأمراء الأقطار في هذا العصر الذي لم تعد فيه الخلافة أم الإمامة فائمة...

وقد مضت السنة على ذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فما كان أحد يقيم حدًا أو قصاصًا على أحد إلا بأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم.

والذي يتبع قضايا الحدود والقصاص يظهر له ذلك جليًا، مثل شارب الخمر الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان بالبيت أن يضربوه". [البخاري (8/13) ] ."

ومثل الزاني الذي قال فيه: (اذهبوا به فارجموه) . [البخاري (8/112) ومسلم (3/1318) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت