فهرس الكتاب
فقال عبد الله: لئن قلت ذاك، لقد قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج،، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) [البخاري (6/117) ومسلم (2/1018) ] .
يؤخذ من هذا الحديث تنبيه على ثلاثة أمور:
الأمر الأول: مشروعية النكاح للقادر على الوطء، والمال الكافي مهرًا ونفقة، سواء كان المال حاضرًا بيده أو في حكم الحاضر، وهو ما جرت العادة على حصوله عليه بالعمل، وهذا بعض معنى الباءة فيما يظهر.
الأمر الثاني: أن النكاح أكثر حصانة للمتزوج المتقي من تقواه وحدها؛ لأن داعي الشهوة شديد، والإنسان بشر غير معصوم، ضعيف أمام شهواته، فإذا اجتمعت التقوى والنكاح كان ذلك أحصن لصاحبهما.
الأمر الثالث: أن غير القادر على الزواج ممن يشتهيه، يجب عليه أن يجتهد في تحصين نفسه من الوقوع في فاحشة الزنا، وذلك بخشية الله وتقواه والإكثار من عبادته، وبخاصة الصيام الذي يقلل من ثورة الشهوة ويفضي إلى تقوى الله تعالى..
كما قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} . [البقرة: 183] .
وبهذا يعلم أن النسل الذي يحب الله سبحانه بقاءه واستمراره وحفظه هو الذي يأتي عن طريق الزواج المشروع، لا عن طريق غيره.
ومن حكمة الله تعالى وعلمه بالمصالح المترتبة على الزواج والمفاسد المبنية على تركه، أنه رغب فيه وأمر به، ليس أمر إباحة فقط، كما هو الشأن في غيره مما تتوافر الدواعي إلى تناوله، كالأكل والشرب واللباس والمسكن وغيرها..
وإنما هو أمر إيجاب، أو استحباب - على الأقل - وإن اختلف العلماء في حكمه وبعضهم ذكر له حالات، يجب في بعضها، ويستحب في بعضها، ويباح في بعضها، ويكره في بعضها، ويحرم في بعض. [راجع إحكام الأحكام لابن دقيق العيد، مع حاشية الصنعاني المسماة بالعدة (4/171) ] .