فهرس الكتاب
والآخر من طريق حذيفة أنه قال: (إذا كان سنة خمس ومائة فلأن يربي أحدكم جرو كلب خير من أن يربى ولدًا) .
وهذان خبران موضوعان، لأنهما من رواية أبي عصام رواد بن الجراح العسقلاني، وهو منكر الحديث لا يحتج به..
وبيان وضعهما أنه لو استعمل الناس ما فيهما من ترك النسل لبطل الاسلام والجهاد والدين، وغلب أهل الكفر، مع ما فيه من تربية الكلاب، فظهر فساد كذب رواد بلا شك.. [المحلى (9/440-441) ] .
[قلت: يوجد في تنزيه الشريعة ما يشبه حديث حذيفة، من حديث ابن عباس، وذكر أنه ورد من حديث حذيفة، أخرجه أبو نعيم في الحلية، ثم قال: قلت أخرجه ابن الجوزي في الواهيات، وقال الذهبي في تلخيصها: هذا باطل] .
المبحث الرابع: التحذير من التبتل والرغبة عن النكاح..
إن الإنسان خلقه الله سبحانه من قبضة من طين، ونفخ فيه من روحه، فهو جسم، وهو روح.
يحتاج إلى تناول مقومات جسمه، من طعام وشراب ونكاح وغيرها.
وهو روح، يحتاج إلى تعاطي ما يغذي روحه، من عبادة الله المشتملة على الصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن وغيرها.
وينبغي أن يعتدل في ذلك، فلا يأخذه الإفراط في تغذية الروح حتى يقتل الجسم أو يضعفه، ولا يأخذه التفريط في ذلك فيهتم بتغذية الجسد حتى تضمر الروح أو تموت.
وبهذا الاعتدال جاء الاسلام: يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبادة والطاعة ويركد ذلك كثيرًا، نظرًا لعزوف أكثر الناس عن تغذية الروح إلى تغذية الجسد.
ويدعو إلى تناول الطيبات التي تغذى الجسد، ولكنه لا يركد ذلك مثل تأكيده تغذية الروح، لأن في الجبلة ما يدعو إلى ذلك، فالاعتدال هو المطلوب، وغذاء الروح أكثر حاجة إلى الاجتهاد.
ولكن بعض الناس ممن يجتهدون في طاعة الله، يرغبون في المزيد من الطاعة، ويرون أن الجسد إذا قوي وأُعطي حاجاته قد يعوقهم عن الوصول إلى ما يرغبون فيه من الإكثار من الطاعة.