فهرس الكتاب
فيأخذون في الابتعاد عن تلبية رغباته لتقوى بذلك الروح، فيعزفون عن ملذات الحياة، ومنها النكاح، وقد بدأ هذا العزوف يظهر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما روى أنس بن مالك، رضي الله عنه قال:
"جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم."
فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟
قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا.
وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) .. [البخاري (6/116) ] .
وبالغ بعض هرلاء، فجاء يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التبتل والانقطاع للعبادة.
وكان وراء المستأذن من ينتظر الجواب، فإن كان إذنًا أماتوا شهوة النكاح بالاختصاء.
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يحب بقاء النسل لمحبة الله إياه أوصد عليهم الباب فمنعهم من ذلك..
كما روى سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، قال:
"لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد على عثمان بن مظعون التبتل لاختصينا".. [البخاري (6/118-119) ومسلم (2/1030) ] .
في هذا الحديث ما يدل على شدة حرصه صلى الله عليه وسلم على تعاطي النكاح، والكراهة الشديدة لتركه والزهد فيه، فقد منع من أراد الغلو في العبادة بالقضاء على وسيلة النكاح وآلته، مع أن الذين يغلون في ذلك يكون عددهم قليلًا في الغالب، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم حرص أن لا يوجد في أمته هذا القليل لئلا يكون قدوة لغيره.
المبحث الخامس: تحريم قتل الأولاد وإجهاض الحوامل..