فهرس الكتاب
"اتفق العقلاء على أن شرط المكلف أن يكون عاقلًا فاهمًا للتكليف، لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، كالجماد والبهيمة، ومن وجد له أصل الفهم لأصل الخطاب دون تفاصيله، من كونه أمرًا ونهيًا ومقتضيًا للثواب والعقاب، ومن كون الآمر به هو الله تعالى، وأنه واجب الطاعة، وكون المأمور به على صفة كذا وكذا، كالمجنون والصبي الذي لا يميز، فهو بالنظر إلى فهم التفاصيل كالجماد والبهيمة بالنظر إلى فهم أصل الخطاب، ويتعذر تكليفه أيضًا". [الإحكام في أصول الأحكام (1/138-139) ] .
وهذه القاعدة تنطبق على جميع الأحكام الشرعية، ولا يرد على ذلك وجوب أداء الزكاة من مال الصبي والمجنون، وكذلك النفقات والضمانات المالية، لأنها وجبت في ماله أو في ذمته بصرف النظر عن أهليته للتكليف أو عدم أهليته.
والمكلف بأداء ذلك هو الولي الذي يقوم على شئون المجنون أو الصبي، وكذلك الأمر بالصلاة بالنسبة للصبي إذا بلغ سبعًا وضربه عليها إذا بلغ عشرًا..
فإن وليه كُلِّف أن يمرنه على ذلك ويدربه وليس من باب تكليف الصبي في شيء.
ولهذا قال الآمدي:"فإن قيل: إذا كان الصبي والمجنون غير مكلف، فكيف وجبت عليهما الزكاة والنفقات والضمانات وكيف أمر الصبي المميز بالصلاة؟"
قلنا: هذه الواجبات ليست متعلقة بفعل الصبي والمجنون، بل بماله أو بذمته، فإنه أهل للذمة بإنسانيته المتهيئ بها لقبول فهم الخطاب عند البلوغ بخلاف البهيمة..
والمتولي لأدائها الولي عنهما، أو هما بعد الإفاقة والبلوغ، وليس من باب التكليف في شيء.
وأما الأمر بصلاة المميز فليس من جهة الشارع، وإنما هو من جهة الولي، لقوله عليه السلام: (مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع) وذلك لأنه يعرف الولي ويفهم خطابه، بخلاف خطاب الشارع على ما تقدم..". [المرجع السابق (1/138) ] ."
وإذا كان العقل هو مناط التكليف في الشريعة الإسلامية فإن حفظه ضرورة لا غنى عنها ولا تستقيم حياة الناس بدون ذلك.