الصفحة 25 من 81

قال الحاكم في معرفة علوم الحديث: « فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له وكثرة مواظبتهم على حفظه لَدَرَسَ منارُ الإسلام ، وتمكن أهل الإلحاد والبدع منه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد ، فإن الأخبار إذا تَعَرَّتْ عن وجود الإسناد فيها كانت بُتْرًَا » (1) .

وهذه صياغة راقية -مبكرة - لفلسفة الإسناد ، فالحاكم يعتبر الإسناد قطعة من الخبر نفسه ، فإذا ذكر الخبر دون إسناده كان أبتر، والأبتر والأقطع لا قيمة له .

« وقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدَّغُوِلّي السَّرْخَسِي: سمعت محمد ابن الحاتم بن المُظَفَّر يقول: إن الله تعالى قد أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد ، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد ، وإنما هي صُحُفٌ في أيديهم ، وقد خلطوا بكتبهم أخبارَهم ، وليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل مما جاءهم به أنبياؤهم وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات ، وهذه الأمة الشريفة - زادها الله شرفا بنبيها - إنما تنص الحديث- أي ترويه وترفعه- عن الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم ، ثم يبحثون أشد البحث، حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ والأضبط فالأضبط ، والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقصر مجالسة ، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجها - أي طريقا- وأكثر حتى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه ويعدوه عدا ، فهذا من أفضل نعم الله على هذه الأمة، فنستوزع اللهَ شكر هذه النعمة وغيرها من نعمه، ونسأله التثبيت والتوفيق لما يقرب إليه ويُزْلِفُ لديه ، ويمسكنا بطاعته إنه ولي حميد (2) .

(1) - السابق نفس الصفحة.

(2) - شرح المواهب اللدنية للزرقاني (5/454)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت