الصفحة 30 من 81

ثالثا: جمع الروايات بأسانيدها وطرقها المتعددة لم يكن ترفا علميا أو مفاخرة بالكثرة كما ظن البعض، بل كان مقصودا لدى جهابذة النقد لتحقيق منهج النقد على أسس عملية سلمية، وكانت مقولتهم الشهيرة التي تختصر المنهج في كلمتين وهما:"قَمِّشْ ثم فّتِّشْ"أي اجمع ثم افحص وانقد.

رابعا: لم تقف نظرية الإسناد عند مجرد الرواية، بل عمل المحدثون على تطوير منهج النقد حتى يكون أكثر تقعيدا وتأصيلا، وتسلم من احتمالات الخطأ أو تقل احتمالاته فيه.

خامسا: صاحب الإسناد في كل أجياله - طبقاته- عملية توثيقية بالغة الإتقان في الرواية -تحملا وأداء- والكتابة -تصحيحا وتدقيقا- وفي الرواة - جرحا وتعديلا- وفي معرفة الروايات -نقدا وتعليلا- فصارت نظرية الإسناد بناء متكاملا، وعلى أساسه بنيت كل العلوم الشرعية الأخرى.

سادسا: لقد أتاحت نظرية الإسناد للنقاد أن يتناولوا النصوص والآثار بالبحث في صحتها عن طريق الملاحظات الدقيقة بحيث تبعد أحكامه عن نطاق الخرص والرجم بالغيب ، وتكون مبنية على أعلى شروط من الدقة والموضوعية والأمانة، ولم يكن ثمة بديل آخر لهذه الأمة عن طريق الإسناد في حفظ النصوص، وإلا كان شأنها شل شأن الأمم السابقة التي انفلتت منها أسانيد كتبها فتفرقت نصوصها أيادي سبأ.

سابعا: لقد كان الإسناد هو المحور الذي تطور حوله جهود المحدثين في تعلية منهج النقد، فكل محاولة في تهذيب هذا المنهج وتلافي قصوره أو ابتكار ما يزيده تقه وشفافية إنما كان يعتمد على مبدأ وجود الإسناد ولولاه كانت تلك الجهود التي بذلت في التصنيف في الجرح والعلل جهودا غير ذات موضوع، لأنها فقدت المحور الذي تعتمد عليه ومنه تنبثق.

إن كل هذه الخصائص غفل عنها أصحاب منهج النقد الأوروبي وهم يدرسون نظرية الإسناد عند المحدثين، فلقد أشار"شبر نجر"إلى تعاسة نظام الإسناد وأن اعتبار الحديث شيئا كاملا سندا ومتنا قد سبب ضررا كثيرا وفوضى عظيمة - .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت