الصفحة 36 من 81

والعجيب أن روزنتال نفسه أن أول المخالفين أو المتغافلين عن خصوصيته المعرفة الإسلامية فطفق يهون من شأن قضية الحفظ والذاكرة في كتابه: مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي: « إن العلماء المحدثين - أي المعاصرين - الذين يعيشون في عالم لم تعد فيه أهمية للعلم المحفوظ في الذاكرة يبالغون في الاهتمام بما يسمعونه من أخبار عن قوة الذاكرة التي كان يتميز بها العلماء المسلمون ، بأنهم -كذا - يشعرون أن هذه الظاهرة تتوفر لهم احسن الظروف لدراسة أهمية الرواية الشفوية في نقل الأخبار الدينية والدبية .. نعم إن حفظ القرآن غيبا إلى جانب عدد كبير من الأحاديث والشعار والقصص حقيقة حرية بالاعتبار، ولكن بعد أن وفرت الطباعة طبع المحفوظات على نطاق واسع فإنه إرهاق الذاكرة أصبح من وجهة نظر العالم أمرا لا طائل تحته» (1) .

إن هذا الكلام صادر عن قناعة واضحة بآلية معينة في تناول العلوم لم تدرك بعد عمق قضية الحفظ والذاكرة وحقيقتها في منظومة المعرفة الإسلامية.

ليس هذا وجهة نظر فردية بل اتجاه علمي أوروبي غير مقتنع بمنهج المسلمين في حفظ المعلومات عن طريق الذاكرة يقول لانجلوا في « المدخل إلى الدراسات التاريخية» : « هناك طريقة أوغل في الوحشية لن نذكرها إلا من باب الإضراب وتتلخص في تسجيل الوثائق في الذاكرة دون تقيد شئ كتابة ، وهناك من استخدموها ، فبعض المؤرخين الذين وهبوا ذاكرة ممتازة وكسولا (كذا) قد لذ لهم هذا الوهم، وكانت النتيجة أن معظم اقتباساتهم وإشاراتهم إلى المراجع غير حقيقة فالذاكرة جهاز تسجيل بالغ اللطافة لكنه قليل الدقة، ولهذا فان مثل هذه المخاطرة ليس لها أي مبرر» (2) .

(1) - مناهج العلماء المسلمين في بحث العلمي . فرانز روزنتال ترجمة أنيس فريحة ص 22

(2) - مدخل إلى دراسات التاريخية . لانجلوا و سينوبوس. ترجمة عبد الرحمن بدوي ص 78

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت