الصفحة 38 من 81

وقد تبنى الأستاذ سيزكين (1) هذه القناعة وبني عليها كل ما وجده من نصوص تشير إلى قوة الحفظ الخارقة عند المحدثين داعيا « إلى استخراج الدلالة الصحيحة للأخبار الكثيرة التي تروي أن هذا المحدث أو ذاك، قد حفظ مائتي ألف حديث ونحن نفسر اليوم مثل هذا معجبين بقوة ذاكرة الإنسان في تلك العصور أو معتبرين هذا نوعا من المبالغة أو مطرحين هذا جانبا وكأنه من قصص الكرامات ورغم أن المبالغة في هذا الرقم بديهية في معظم الأحوال إلا أننا نعرف من البحث الدقيق لكتب الحديث أن الروايات المختلفة تدخل أيضا في هذا الحساب وهذه الروايات لا تختلف إلا اختلافا يسيرا يتناول الإسناد وكانت تعد كل رواية قائمة برأسها وبهذا بلغ عدد النصوص بضعة آلاف» ثم يورد الإسناد سيزكين بعضا من الروايات التي تفيد خطأ الرواة الذين اعتمدوا على حفظهم موحيا أن « سائر المحدثين كانوا يلاحظون بسهولة اختلاف الأحاديث المروية من الذاكرة والأخرى المروية عن نص مدون» (2) .

ويشعر المرء أحيانا أن مثل أولئك الباحثين - على نفاسة دراساتهم - يعتقدون أن الحفظ والذاكرة عند المحدثين أسطورة أو خرافة ، أو سبة يجب أن يوجد السبيل لإزالتها ومحو آثارها.

(1) - الأستاذ فؤاد سيزكين باحث تركي مخضرم هاجر من بلده تركيا لأسباب سياسية-كما يذكر ذلك في مقدمة كتابه « تاريخ التراث العربي» وتتلمذ علىكثير من المستشرقين في ألمانيا حيث حط رحاله، وابتدأ من هناك رحلاته العالمية في البحث عن المخطوطات الإسلامية لتاريخ « التراث العربي » وثقافته- مع ما فيها من ولاء صادق للمسلمين وللتراث الإسلامي - إلا أنها تأثرت بشوب من التراث الحضاري الأوروبي يغتفر له في خضم محاسنه.

(2) - تاريخ التراث العربي. فؤاد سيزكين. (1/22240-243)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت