فهرس الكتاب
ولا شك أن أبحاث أولئك الباحثين المسلمين كانت ذات قيمة عالية ونتائج حاسمة في أبحاث التدوين المبكر لأسانيد والأحاديث لكنها أغفلت جانبا لا يمكن إنكاره وهو أن الحفظ والذاكرة أو رواية الصدر شكلت أهم الآليات التي اعتمد عليها المحدثون في نقل وحفظ الأسانيد والنصوص وأن التدوين هو الذي كان شأنا ثانويا وذلك في عصر الرواية على الأقل.
وليست الروايات التي تذكر حفظ الأئمة لمئات الآلاف من الأحاديث مجرد كرامات أو قصص أسطورية أو أرقام مبالغ فيها.
وما تأوله الإسناد سزكين من أن تكرار الروايات والأسانيد المتشابهة يختزل العدد إلى بضعة الآلاف لا يدفع وجه العبقرية في أن المحدثين استطاعوا أن يحفظوا هذا العدد من الروايات والأسانيد المتشابهة ذوات الفروق البسيطة بحيث لا يختلط إسناد في إسناد ولا نص في نص مع دقة التشابه ،ولقد كان هذا الحفظ هو عماد النقاد في معرفة الرواية الراجحة عبر الموازنة بين الأسانيد والروايات لمعرفة وجه الخطأ وانتقاء الصواب من ركام الروايات التي يتخلل فيها الخطأ البسيط فيستطيع النقاد تصفية ذلك.
ونستطيع أن نستثني ا الأستاذ محمد عجاج الخطيب والأستاذ صبحي صالح من أولئك الباحثين الذين لم يغفلوا عن دور الذاكرة وحفظ الصدر حيث نبها إلى أن المحدثين « اجتهدوا وسعهم لحفظ الحديث بأسانيد ه في مصنفات ومسانيد تكفل لأهل العلم معرفة القوى الضعيف» (1) .
والدليل على أن الحفظ ورواية الصدر أو الاعتماد على الذاكرة استمر هو التقليد المتبع في رواية الأحاديث الأمور الآتية:
(1) - راجع السنة قبل التدوين محمد عجاج الخطيب ص 380. وعلوم الحديث ومصطلحه صبحي صلح ص 23-30.