الصفحة 40 من 81

... ... أولا: أن العصور المتأخرة هي التي عولت على المدونات والمصنفات يقول ابن الصلاح (1) : « فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بادراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان» .

... ... ثانيا: أن المحدثين قد نصوا في علم المصطلح على أن الرواية الصحيحة المقبولة هي « التي يرويها العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه بدون شذوذ ولا علة» وفسروا الضبط بأنه نوعان: « ضبط صدر وضبط كتاب» ، ثم فسروا ضبط الصدر بأنه « الحفظ في الذاكرة بأن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء، وضبط الكتاب"بصيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه". (2)

وواضح أن ضبط الصدر يعتمد على الحفظ والذاكرة ومع ذلك فكان الراوي الذي يعتمد على حفظ الكتاب إذا روى من حفظ صدره ضعف ، ونجد في كتب الرجال مصطلحات من قبيل:"صحيح الكتاب"أو"ثقة إذا حدث من كتابه".

وتصحيح الرواية من الكتاب هو الذي استقر عليه عرف المحدثين بعد أن كانت المدرسة الحديثية التقليدية ترفض ذلك وتأباه.

فقد قال أشهب لمالك: الرجل يخرج كتابه وهو ثقة، فيقول: هذا سماعي إلا أنه لا يحفظ؟ قال:"لا يسمع منه". قال يونس بن عبد الأعلى الراوي عن أشهب:"لأنه إن أدخل عليه لا يعرف". وفي رواية أخرى لمالك قال:"لا يؤخذ منه أخاف أن زاد في كتبه". (3)

وعن أحمد ابن حنبل قال: لا ينبغي للرجل إذا لم يعرف الحديث - أي يحفظه- أن يحدث. ثم قال: صار الحديث يحدث به من لا يعرفه ثم استرجع. هذا مع أن أحمد ابن حنبل كان لا يحدث إلا من كتابه كما قال علي ابن المديني.

(1) - علوم الحديث لابن الصلاح ص 23.

(2) - نزهة النظر شرح نخبة الفكر لابن حجر العسقلاني ص86-83

(3) - الكفاية في علم الرواية. الخطيب البغدادي ص227.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت