الصفحة 41 من 81

وقال هيثم: من لم يحفظ الحديث فليس هو من أصحاب الحديث ، يجيء أحدهم بكتاب كأنه سجل مكاتب. (1)

ويعلق الخطيب البغدادي على ذلك قائلا:"ونرى العلة التي لأجلها منعوا صحة السماع من الضرير والبصير الأمي هي جواز الإدخال عليهما ما ليس من سماعهما وهي العلة التي ذكرها مالك فيمن له كتب وسماعه صحيح فيها غير أنه لا يحفظ ما تضمنت، فمن احتاط في حفظ كتابه ولم يقرأ إلا منه وسلم من أن يدخل عليه غير سماعه جازت روايته"… ثم ذكر روايات السلف في ذلك. (2)

والدليل على أن الأصل في قبول رواية الراوي هو حفظه: أن المحدثين لم يقبلوا رواية سيء الحفظ إلا بما رواه من أصل كتابه.

فمن ذلك أن يزيد بن زُريع سئل عن هَمّام فقال: كتابه صالح وحفظه لا يسوى شيئا. وقال ابن عمار: شَرِيك -يعني القاضي- كتبه صحاح، فمن سمع من كتبه فهو صحيح، قال: ولم يسمع من شريك من كتابه إلا إسحاق الأزرق. وقال يحي بن سعيد: إذا حدثكم المعتمر بن سليمان بشيء فاعرضوه فإنه سيء الحفظ. (3)

ثالثا: لو اعتبرنا أن الرواية في العصور المبكرة كانت تعتمد على المصادر المدونة في الغالب كما يقول سيزكين وغيره فإن كل ما دونه علماء الحديث من جرح وتعديل وعلل يكون غير ذي موضوع، لأن الرواية عن الكتب تكون مضمونة عن الأخطاء في الغالب ، ولا يعقل أن تحدث تحريفات أو زيادات في الروايات التي تداولها المحدثون عن الكتب في طول سلسلة الإسناد.

رابعا: إن نظرية الإسناد قامت أساسا على مبدأ الحفظ في الذاكرة، إذ لو كان السلف يعتمدون على المدونات والكتب لتداولها دون تحديث أو مشافهة، لكن النشاط العلمي عندهم كان مبنيا كله على المشافهة، وهذا بعرفه من له أدنى إلمام بتاريخ العلوم الإسلام. ولذلك اشتهر عندهم ذم من يعتمد على الصحف في العلوم، ولهم في ذلك مقولات شهيرة.

(1) - أيضا.

(2) - السابق ص229 وانظر علوم الحديث لابن الصلاح ص144

(3) - أنظر الكفاية في علم الرواية. الخطيب البغدادي ص223.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت