الصفحة 42 من 81

يقول الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه"الحث على حفظ العلم": « فإن الله عز وجل خص أمتنا بحفظ القرآن والعلم ، وقد كان من قبلنا يقرءون كتبهم من الصحف ولا يقدرون على الحفظ، فلما جاء"عزير"فقرأ التوراة من حفظه قالوا:هذا ابن الله ! فكيف نقوم بشكر من خولنا أن ابن سبع سنين منا يقرأ القرآن عن ظهر قلب، ثم ليس في الأمم ممن ينقل عن نبيه أقواله وأفعاله على وجه تحصل به الثقة إلا نحن، فإنه يروي الحديث منا خالفٌ عن سالف، وينظرون ثقة الراوي إلى أن يصل الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم يروون ما يذكرونه عن صحيفة لا يدرى من كتبها ولا يعرف من نقلها ، وهذه المنحة العظيمة -أي الرواية- نفتقر إلى حفظها، وحفظها بدوام الدراسة ليبقى المحفوظ…» (1) .

خامسا:تشير روايات كثيرة (2) إلى أن كتب المحدثين كانت تبلغ قدرا كبيرا جدا يجعل من المستحيل تصور أن المحدثين كانوا يصطحبونها معهم في كل مجالس تحديثهم، فالمتوجه أن نفترض أن مجالس الحديث كانت تعقد بالاعتماد على الحفظ والذاكرة في الغالب والتحديث من الكاتب كان هو الطارئ.

سادسا:إن دراسة كثير من مصطلحات المحدثين تنبئ بحقيقة مكانة حفظ الصدر عندهم، فمن ذلك اصطلاحهم على تسمية الرواية التي رويت على الوجه الصحيح بالموافقة لروايات الثقات بأنها الرواية"المحفوظة"، ومن ذلك أيضا استعمالهم اصطلاحات من قبيل:"ضعيف،له أوهام، بغلط"كل ذلك منصرف إلى الحفظ ليس غير، ويمكن للعين الملاحظة أن تدرك المساحة الكبيرة التي تحتلها تلك الاصطلاحات في علم الرجال والعلل وهما عماد علم النقد عند المحدثين.

(1) - الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ. أبو الفرج ابن الجوزي .ص 11

(2) - انظر: منهج النقد عند المحدثين محمد الأعظمي ص72

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت